حينما تُختزل القضية الكُردية في اللغة فقط، تصبح المأساة كاملة.

دلدار بدرخان
حين تختصر أمة بكل تاريخها ودمها وملح أرضها في مجرد “لغة”، تُرتكب بحقها جريمة محو أخرى، أشد فتكاً من محو الحروف.
فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
أيهما أولى بالانتزاع؟
الحقوق السياسية والدستورية التي تضمن للشعب الكُردي مكانته بين شعوب هذه الأرض، وتُقر بحقه الطبيعي في أن يكون سيداً على تاريخه وأرضه، شأنه شأن كل المكونات، وفي مقدمتها المكون العربي السوري، أم اللغة وحدها مهما سمت قيمتها وقداستها؟
أيهما أهم؟
أن تُمحى القوانين العنصرية التي نُسجت بخيوط الإقصاء والإنكار، من “الحزام العربي” إلى تغييب الوجود الكُردي وتبديل أسماء القرى والجبال؟
أم أن نكتفي بمدرسة تُدرّس بالكُردية فيما تُغتال الحقوق خلف الأبواب؟
أيهما أعمق جرحاً؟
أن يُنكر الوجود التاريخي للكُرد على أرضهم، ويُختزلوا في أسطورة “لاجئين من الهند والسند وبلاد الواقواق” ليُصنفوا كمواطنين من الدرجة العاشرة؟
أم أن تُمنحهم لغة دون هوية، ودون اعتراف؟
أيهما أكثر قسوة؟
تزوير تاريخ البلاد ومسح اسم الكرد من ذاكرة الجغرافيا السورية، أم استمرار العمى المقصود عن تصحيح هذا الغبن التاريخي؟
أيهما أكثر إيلاماً؟
أن يُقصى الكُردي السوري عن مفاصل الدولة، ويُختزل التمثيل في “الكُردي الجيد ” الذي باع ضميره وذاكرته؟
أم أن يُمنح حق التعليم بلغته في مدرسة مراقبة بالعيون؟
نحن لا نطلب أنصاف الحلول ولا نقبلها، فالتعليم باللغة الأم رغم أنه حقّ طبيعي، إلا انه ليس غاية النضال، وإنما إحدى ثماره.
فالقضية الكُردية في سوريا أعمق من حروف تُلفظ، إنها قضية وجود يغتصب، وتاريخٍ يُزوّر، وكرامة تُراود عن نفسها منذ قرن.
ليست اللغة وحدها ما نريد، وإنما الحياة التي تليق بهذه اللغة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
9 شهور

على الكورد ان يذهبوا الى واشنطن واورشليم،بأية طريقة،وعن طريق من يريدون . …وسماع جواب صريح..منهم ،ماذا تريدون لنا الى اي درجة تساعدوننا، ليس فقط في سوريا في العراق،في تركيا، ايران،..وعلى ضوء الإجابة التصرف،. ليس مهما سرا او علنا…هم يحتاجون الى مظلوم عبدي في سوريا والى أردوغان في تركيا …اذا لم يكن هناك دعم من امريكا واسرائيل علينا قبول مايعطيه عدونا،او اللجوء إلى خيار شمشون،علي وعلى أعدائي!!!

اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…