مام في الشام برؤية عربية (2)

مصطفى عبد الوهاب العيسى

لا توجد عاصمة في العالم لم تذكرها إحدى الدراسات على أنها ذات موقع جغرافي متميز أو حساس ، ولكن عند الحديث عن دمشق فإننا نجد أنها العاصمة التي تُجمع عليها كل المراكز والمنظمات المهتمة بالدراسات الجيوسياسية على أنها الأهم في منطقة الشرق الأوسط وذلك لموقع سوريا الجغرافي بشكل عام و ما لديها من ثروات و طرق نحو الغرب وأوروبا وغنى بالتركيبة السكانية ، وبمعزل عن الجغرافية فإن دمشق هي أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ وهذا ما يفرض وجود الخبرة لديها في كل المجالات ولا سيما الحنكة السياسية .

يقول باتريك سيل : لا يمكن قيادة الشرق الأوسط بدون السيطرة على دمشق ، و يقول هنري كسينجر : العرب لا يمكنهم أن يقاتلوا دون مصر ، و لا يمكنهم أن يعقدوا سلاماً دون دمشق .

ما تقدم يُفسر لنا سعي القوى الفاعلة والمؤثرة لسوريا ، و كذلك سعي كبار السياسيين لدمشق والقرب منها بعد الاستقلال عام 1946 ، و لكنه يضعنا أمام حيرة كبيرة فيما يخص أول مرور لمام جلال بدمشق عام 1955 لحضور مؤتمر الشباب والطلبة العالمي في وارسو ، أو حتى في زيارته الثانية لحضور المؤتمر في موسكو عام 1957 التي نستطيع أن نقول عنها بأنها كانت أقرب ما تكون إلى مغامرة جريئة على ظهر شاحنة نقل الحبوب من الحسكة إلى حلب ثم دمشق .

فهل كان هذا الطالب الجامعي الذي لا يزال في أوائل العشرينات عارفاً لأهمية الشام أو دمشق على وجه الخصوص ؟

هل كان هذا الشاب الكردي القادم من سفوح جبال السليمانية مدركاً لهذه الأهمية السياسية لدمشق ، والتي ما كان حينها حتى باتريك سيل أو كسينجر قد تحدثوا عنها أو أدركوا أهميتها إلى هذا الحد ؟؟

أم أنه القدر هو الذي ساق مام جلال إلى مدينة الحب والحلم .. مدينة الخيال والسياسة .. دمشق .

لا بُدّ أن للقدر دوراً كبيراً في زيارته الأولى لدمشق ، و لكن ما قام به مام جلال في ذلك الوقت يُخبرنا بأنه غالباً كان لديه الوعي السياسي الكافي مصحوباً بأحلامه و طموحاته الكبيرة التي سيسعى جاهداً لتحقيقها .

لقد استطاع مام جلال كما عرَّفت بذلك السلسلة أن يساهم في تأسيس أول تنظيم قومي كردي ( بهوية وطنية ) ، و يُشجّع عليه ، و هو ما كان الحل للمعضلة الكبرى التي كان يواجهها الكردي السوري في الموازنة بين البعدين القومي والوطني ، و هو ما تمخض عنه طبعاً خلال أشهر تأسيس أول حزب كردي في سوريا 1957 .

لقد كان بناء وتوطيد مام جلال لعلاقات صداقة متينة في دمشق بعديد الشخصيات الكردية من أمثال الأستاذ الراحل عبد الحميد درويش ، أوصمان صبري ، عبد الرحمن قاسملو ، عبد الرحمن ذبيحي ، عز الدين مصطفى رسول .. الخ ، و كذلك بعض العوائل الكردية الكبيرة ( حاجو ، بدرخان .. ) أهمية تفوق الأهمية السياسية في تشجيعه لتأسيس أول تنظيم كردي سوري إذ أنها خلقت علاقات كردية – كردية ساعدت في تبادل الخبرات والمهارات بين جميع هذه الشخصيات من جهة ، و بما يخدم أهدافه و رؤاه السياسية الساعية لنيل بعض الحقوق المشروعة .

والأهم من هذه الصداقات برأيي كانت اللقاءات التاريخية لهذا الشاب مع أسماء كبيرة و مؤثرة حينها في العملية السياسية كعبد الحميد السراج وأكرم الحوراني وميشيل عفلق .. الخ ، و هو ما خلق بوابة جديدة للعلاقات الكردية – العربية التي يمكن أن نقول عنها بأنها كانت إنجازاً بحق على اعتبار أنها خُلقت في زمن كانت القومية العربية فيه تعيش عصرها الذهبي ، إن صح التعبير .

و يكفي أن نتخيل ما قدمته هذه العلاقات العربية – الكردية والوليدة حديثاً من تواصل مع المصريين عن طريق عبد الرحمن ذبيحي ، و ليُسجّل التاريخ حينها أول إذاعة كردية في مصر وفي عهد عراب القومية العربية الرئيس جمال عبد الناصر .

و فضلاً عن هذه الصداقات الكردية – الكردية و العلاقات العربية – الكردية فإن البوابة الهامة جداً كانت في العلاقات الدولية التي بدأت في وارسو و تنامت في موسكو .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…