سلام الداخل قبل الخارج

 كفاح محمود

 لطالما انشغلت شعوبنا بشعارات كبرى عن تحرير فلسطين وبناء محور المقاومة ومواجهة «العدو الصهيوني»، في حين أن واقعنا الداخلي أكثر هشاشة ودموية من أي مواجهة خارجية، فالعراق وسوريا ولبنان واليمن والجزائر وإيران وتركيا لم تعرف استقرارًا داخليًا راسخًا، بل تحولت إلى ساحات صراع طائفي وعرقي وحزبي مزمن، يستهلك طاقاتها ويمزق نسيجها الاجتماعي، حتى قبل أن تواجه أي تهديد خارجي جدي، ومن هنا يبرز التساؤل: ألم يكن من الأجدر أن نبدأ بتطبيع العلاقات بين مكونات دولنا وتحقيق السلام البيني داخلها، قبل أن نفكر في سلام مع إسرائيل أو أي قوة خارجية أخرى؟

   في العراق، ما زالت أزمة الهوية الوطنية تتأرجح بين المذهبية والطائفية والانقسامات العرقية، مما جعل الدولة ضعيفة وعاجزة أمام الفساد والتدخلات الخارجية، وفي سوريا، تحولت الثورة الشعبية إلى حرب أهلية طاحنة، دفعت بملايين السوريين إلى الشتات، كما ان لبنان بدوره غارق في الانقسام الطائفي الذي جعل من الدولة رهينة المحاصصة والشلل السياسي، أما اليمن، فقد تحولت خلافاته الداخلية إلى حرب إقليمية بالوكالة، أحرقت البلاد وجعلتها من أفقر بقاع العالم، وفي تركيا وإيران، نجد أن النزاعات مع الكرد ومع مكونات أخرى ما زالت تعرقل بناء دولة مدنية جامعة، حتى الجزائر، التي خرجت من حرب أهلية دامية، لم تزل تتأرجح بين الاستقرار الهش والانقسامات البنيوية.

   المفارقة أن معظم هذه الدول والأنظمة هي الأكثر ضجيجًا في خطابها حول «تحرير فلسطين» و»المقاومة»، لكنها في داخلها عاجزة عن تحرير شعوبها من الخوف والفقر والاحتراب الأهلي، ترفع رايات العداء لإسرائيل، لكنها لا تتردد في سحق مواطنيها إذا ما طالبوا بحقوق أساسية من حرية أو كرامة أو عدالة اجتماعية، بهذا السلوك، تحولت شعارات المقاومة إلى أداة لتبرير الاستبداد وتغطية العجز الداخلي، بدلًا من أن تكون مشروعًا حقيقيًا للتحرر الوطني.

   على النقيض، نلحظ أن مصر والأردن، وهما أول دولتين عربيتين وقّعتا اتفاقيات سلام مع إسرائيل، اختارتا طريقًا مختلفًا، فمهما كانت التحفظات على مساراتهما، فقد نجحتا في تحييد شعوبهما عن ويلات الحروب المتكررة، ووفرتا أجواء نسبية من الاستقرار، فتفرغتا للتنمية الداخلية وتعزيز البنية التحتية والخدمات العامة، فقد تبين أن «سلام العقل» – حتى لو كان مثار جدل سياسي – أكثر فائدة للشعوب من شعارات الحرب المستمرة التي لا تحصد سوى المزيد من الخراب.

  إن أي مشروع سلام خارجي، سواء مع إسرائيل أو غيرها، لن يكون مجديًا ما لم تسبقه عملية مصالحة وتطبيع داخلي بين مكونات الدول نفسها، فالتاريخ علمنا أن الدولة المنقسمة على ذاتها، الممزقة بالاحتراب الأهلي، لا تستطيع أن تخوض حروبًا عادلة ولا أن تقيم سلامًا حقيقيًا، الشرط الأول لأي مواجهة أو لأي سلام هو بناء بيت داخلي متماسك، يستند إلى عقد اجتماعي عادل، ومؤسسات مدنية راسخة، ودولة قانون تحترم جميع مواطنيها بلا تمييز.

   إن فلسطين لن تتحرر بشعارات أنظمة تتقاتل داخل حدودها، بل بالتحرر أولًا من ثقافة الاستبداد والاحتراب البيني، وإقامة سلام حقيقي بين أبناء الوطن الواحد، عندها فقط يصبح السلام الخارجي خيارًا ناضجًا، لا شعارًا للاستهلاك السياسي.

==========

الزمان

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…