أطياف الخراب وصهيل الأوهام: سوريا بين سندان التاريخ ومطرقة المحنة

بوتان زيباري

لم يكن غبار المعارك آخر ما خلَّفه هذا العبث الدموي، بل كان الإرث الأقسى هو ذلك الفراغ الوجودي الذي التهم أحلامًا بُنيت بعرق الجباه ودموع الثكالى. لقد ذهبَ مَن ذهبَ ضحيَّةً للطغيان، وتشرَّد مَن تشرَّد في دروب المنافي، كأوراق الخريف التي تذروها رياحٌ لا تعرف الرحمة. دُمِّرت المدنُ حتى صارت أشباحًا تحكي قصصًا لم يعد يُصغى إليها، وسُلبَت الأوطانُ حتى لم يعد فيها إلا صدى صراخٍ بلا جواب. حتى الأمل، ذلك الكائن الهش الذي كان يتربَّع في صدور الحالمين، جُعِلَ طريحًا تحت سنابك الخيانة والجشع. فما بقي إلا ظلالٌ بشرية تتحرك بين الركام، تحمل ألقابًا بلا معانٍ، وتُصدر خطاباتٍ بلا روح، كأنها مرايا عاكسة لتلك القذارات التي صارت تُمسك بمصائر الشعوب.

الأوطان لا تُبنى على أساطير الطوائف ولا أوهام الخلافة، فهذه أضغاث أحلامٍ يروِّج لها مَن يبيعون الوهم في سوق النخاسة السياسية. التاريخ يُعلِّمنا أن الشعوب التي ترفض الخروج من قمقم العصبية، تظلُّ تدور في حلقة مفرغة من الدم والانتقام. فكم من أممٍ سقطت لأنها آثرت عبادة الأجداد على بناء المستقبل؟ وكم من حضاراتٍ تحوَّلت إلى أطلال لأنها ظلَّت تسقي جذورها بماء الأحقاد؟ سوريا، تلك الجوهرة السنية في تاج المشرق، لم تسقط فقط بسبب القصف والدمار، بل سقطت لأن بعض أبنائها ظلوا يرقصون على أنغام الماضي، بينما التاريخ يكتب سطوره بمداد النار.

هل يمكن لسوريا أن تعود؟ السؤال يُذكِّرنا بتلك الأسطورة اليونانية عن “سيزيف” الذي كان يُعذَّب بدفع الصخرة إلى الأعلى فقط لتهوي مرة أخرى. لكنَّ الفارق هنا أن سيزيف كان وحده، أما السوريون فجرَّارتهم تدفعها أيادٍ كثيرة، بعضها خفيٌّ وبعضها مرئيٌّ، لكنها جميعًا تتشارك في صنع المحنة. الوقت مبكرٌ لاستعادة الحضور، لكنه ليس مستحيلًا. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم كالأشجار، قد تسقط أوراقها، لكن الجذور الحية قادرة دائمًا على إنبات الغصون من جديد. لكن شرط ذلك أن يتوقف أولئك الذين يسيرون في ركاب التهلكة عن الانجراف نحو الهاوية، مدفوعين بصراخ العصبوية الذي لا يزيد الأمم إلا تمزقًا.

إنهم أولئك الذين لا يُدركون ضلالهم إلا عندما تُكشف عوراتهم، فيتحولون فجأةً من مُحرِّضين على الفتنة إلى ضحايا وهميين لمؤامرات من صنع خيالهم. هم يُشبهون أولئك الذين يصرخون عند رؤية الخطر، لكنهم لا يدركون أن الخطر الحقيقي يكمن في تلك الروح التقسيمية التي تغذي نار العداوة. فمتى يفيقون من غفلتهم؟ ومتى يدركون أن الوطن لا يُبنى بشعارات التفرقة، بل بإرادة العيش المشترك؟ الجواب لا يزال ينتظر، لكن الأكيد أن سوريا لن تقوم إلا عندما يتحول أبناؤها من حطَّابين للتاريخ إلى بُنَّاءٍ للمستقبل.

السويد

22.07.2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…