الجولاني وصناعة النظام البديل كيف يعيد الغرب تشكيل سوريا والمنطقة؟

عاصم محمود أمين:

في واحدة من أكثر التحولات السياسية إثارةً للجدل في المشهد السوري، يبرز أبو محمد الجولاني، القائد السابق لتنظيم جبهة النصرة

رئيسا للجمهورية لمرحلة انتقالية في سوريا ويكون شخصية بارزة ورئيسية،

في مشروع جيوسياسي جديد تتقاطع فيه مصالح استخباراتية دولية مع رغبة إقليمية في إعادة هندسة بنية الدولة السورية ومحيطها.

الجولاني لم يعد ظاهرة جهادية عابرة، بل بات يمثل نقطة ارتكاز في خطة أوسع تشرف عليها دوائر غربية، تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتهدف إلى إعادة تشكيل الجمهورية السورية – وربما الشرق الأوسط بأسره – وفق نظام سياسي–أمني جديد.

الوقائع المتسارعة، من ظهوره في “قصر الشعب”، إلى التغطيات الإعلامية التي تصوّره كـ”رجل المرحلة”، مرورًا بالدعم الغربي غير المعلن، كلها تشير إلى مشروع أعمق مما يبدو، يتجاوز الانفتاح السياسي، ليطال البنية التأسيسية للدولة نفسها.

أولاً: من الميدان إلى القصر – صعود الجولاني في ظل هندسة استخباراتية

لم يكن وصول أحمد الشرع، المعروف باسم أبي محمد الجولاني، إلى قلب السلطة الرمزية في دمشق – قصر الشعب – مجرد نتيجة حراك محلي، بل نتاج عملية تصنيع سياسي–استخباراتي غربي دقيق، بدأ منذ لحظة انفصاله عن تنظيم داعش، وتحوّله من فاعل جهادي إلى رأس حربة لمشروع “الاعتدال المرن”.

تشير تقارير متقاطعة إلى إشراف مباشر لأجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية على هذا التحول، بل إن بعض المعلومات المسرّبة توحي بوجود غرف عمليات سياسية داخل القصر الجمهوري، تُدار منها تحركات الجولاني، وتُلقّن عبرها سياسات المرحلة المقبلة. هنا، تصبح الجمهورية السورية أشبه بمنصة تشغيل لصيغة ما بعد الدولة، حيث يتم استبدال الرموز لا البُنى، وتطويع أدوات الماضي لخدمة مخططات المستقبل.

ثانيًا: الجولاني… من مشروع عقائدي إلى أداة وظيفية في النظام الدولي

لم يعد الجولاني ذلك الزعيم العقائدي الذي يقاتل لإقامة “إمارة إسلامية”، بل بات يُقدَّم كعنصر “قابل للتشكيل”، يُدرَّب على أبجديات السياسة من قبل محترفين أمنيين ودبلوماسيين غربيين، ويُوجَّه ليؤدي أدوارًا وظيفية محددة داخل خارطة النفوذ الجديدة.

تُدرّس حالته في أروقة السياسة الغربية كمثال على “إعادة التدوير السياسي”: كيف يُمكن تحويل عدو سابق إلى حليف ظرفي يخدم المصالح الكبرى؟ ومن هنا، لا بد من قراءة سلوك الجولاني كنتاج هندسة استراتيجية أكثر منه ناتج خيار ذاتي.

الرهان الدولي عليه ليس نابعًا من إيمانه بالديمقراطية، بل من قدرته على ضبط الأرض، وإنتاج واجهة سياسية هجينة: فيها من الدين ما يكفي لتبرير السلطة، ومن المرونة ما يكفي لقبول الدعم الغربي والخليجي.

ثالثًا: انفتاح إقليمي محسوب… حين تتلاقى إسرائيل وتركيا والخليج

يأتي الانفتاح التركي والخليجي على الجولاني في إطار توافق ضمني مع الخطوط العريضة للمشروع الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة.

تركيا، التي تمثل الجسر بين الغرب والشرق، تلعب دور الحامي غير المعلن لتحرك الجولاني داخل سوريا، وتوفر له عمقًا لوجستيًا وسياسيًا، بينما تمهد دول الخليج – وخاصة  السعودية   وادماجه في المعادلة السورية ولو على إستحياء.

أما إسرائيل، فترى في الجولاني “جدار عزل” ضد التمدد الإيراني، وتفضل التعامل مع فاعل يمكن مراقبته وترويضه، على الفاعلين العقائديين القادمين من طهران أو بغداد. كل هذه القوى تدرك أن الفوضى لم تعد وسيلة فعالة، وأن احتواء الفاعلين هو البديل الأكثر أمنًا واستدامة.

رابعًا: خريطة دعم غير مباشر – المال والأمن والسيطرة

لا يمكن فهم صعود الجولاني من دون التوقف أمام منظومة الدعم التي تحيط به. فإلى جانب التسليح والسيطرة، تتدفق أموال الدعم عبر قنوات غير حكومية، من منظمات إنسانية ذات صلات استخباراتية، ومؤسسات تمويلية تُستخدم كواجهات لتمرير الموارد إليه.

كما أن التنسيق الأمني غير المباشر مع الأجهزة الغربية، وخاصة في ملف مكافحة “التهديدات غير المنضبطة” كداعش والقاعدة، يمنح الجولاني موقعًا تفاوضيًا لا يُستهان به.

في هذا السياق، لم يعد التصنيف الإرهابي عقبة جدية، بل بطاقة تفاوض قابلة للإلغاء متى نضجت الصفقة الكبرى، ورضخ لمتطلباتها.

خامسًا: ما المطلوب من الجولاني؟ الأثمان السياسية المنتظرة

مقابل هذا الدعم، تبرز ثلاثة مطالب استراتيجية

  1. داخليًا: تفكيك الخطاب الجهادي والانفتاح على جميع المكونات السورية – عربًا وكردًا، سنة وعلويين، مسيحيين ودروز – مع تقديم ضمانات دستورية صريحة لحفظ حقوقهم القومية والدينية والمدنية، بحيث تظهر الجمهورية السورية بمظهر “دولة متعددة قابلة للتسويق”.
  2. إقليميًا: الحفاظ على “الهدوء الاستراتيجي” على الحدود مع إسرائيل، ومنع أي نشاط مقاوم يُستخدم ضد تل أبيب.
  3. دوليًا: تبادل المعلومات الأمنية، خاصة ما يتعلق بالجماعات العابرة للحدود، والعمل كمُصفاة استخباراتية تفصل بين “الإسلام المقبول” و”التطرف المرفوض”.

سادسًا: هل تتحول الجمهورية السورية إلى ملكية؟

قد يبدو التساؤل غريبًا، لكنه ليس بعيدًا عن المنطق السياسي السائد في مرحلة “ما بعد الدولة الوطنية”.

الخطاب الذي يتبناه الجولاني – الزاهد في السلطة، القوي في السيطرة، القابل للتوريث السياسي – لا يبتعد كثيرًا عن منطق الحكم الملكي الخليجي، حيث يتماهى الزعيم مع الدولة، وتُختزل الأمة في شخص الحاكم.

في ظل التحالفات مع دول ملكية كالسعودية والإمارات ، ودعم غير معلن من واشنطن وتل أبيب، فإن احتمال تحوّل النظام السوري من صيغة جمهورية شكلية إلى نظام ملكي سياسي–أمني مرن، قد لا يكون مجرد خيال، بل أحد السيناريوهات قيد الدراسة.

سابعًا: تفكيك مفاهيم الدولة والسيادة والإرهاب

إن إزالة صفة “الإرهاب” عن الجولاني ومشروعه، تمهيدًا لإعادة إدماجه في “الحكم الوطني”، هو جزء من إعادة صياغة المفاهيم الكبرى.

لم تعد السيادة تعني استقلال القرار، بل تعني القدرة على التنسيق مع القوى الكبرى. ولم تعد الدولة كيانًا دستوريًا تمثيليًا، بل منصة تنفيذ للاتفاقات الأمنية. وهكذا، يجري تفريغ الجمهورية السورية من محتواها، واستبدالها بـ”هندسة سياسية متفق عليها”، حيث يتم تعيين الفاعلين بناء على منفعتهم لا على شرعبتهم

سوريا كمختبر لشرق أوسط جديدأخيراً:

ما يجري اليوم في سوريا هو أبعد من تحول سياسي؛ هو اختبار لنموذج جديد في صناعة الدول، تُمارسه قوى دولية وإقليمية بأدوات محلية مُعاد تدويرها.

الجولاني في هذا السياق ليس قائدًا، بل وسيطًا – رمزًا لتآكل النظام التقليدي، وصعود فاعلية “التوافقات الأمنية”. وبينما يُعاد بناء الدولة من فوق، تُهمّش القواعد، وتُختزل الهوية السورية في معادلات نفوذ، لا في تعاقد اجتماعي حقيقي.

قد لا تكون الجمهورية السورية أمام تحول فقط، بل أمام نهاية شكل، وبداية نسخة أخرى – تُدار من الغرف الخلفية، وتُطبع بلغة المصالح، لا المبادئ.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…