الكورد السريان هوية تتجذر لا تذوب – الجزء الثاني

د. محمود عباس

 

هذا الاعتراف لم يكن قرارًا تقنيًا، بل موقفًا حضاريًا، فالإدارة الذاتية، التي تديرها غالبية كوردية، لم تتعامل مع السريان كـ “مكون ديني”، بل كقومية شريكة، لها لغتها ومؤسساتها، ولها ممثلون سياسيون في الإدارة وقوات الأمن، لم تسعَ إلى إدماجهم تحت عباءة القومية الكوردية، رغم الخلفية التاريخية ورباطهم العرقي مع الكورد، بل عملت على تمكينهم في لغتهم ومؤسساتهم الثقافية، كما في مؤسسة “أولف تاو”، و”بيت كانو”، وغيرها من المبادرات التي تتبنى لغة السريان كهوية لا كزينة تراثية.

في المقابل، تصر بعض الأصوات العربية، خصوصًا تلك المرتبطة بالتراث العشائري القادم من الحجاز، على اختلاق نسب ثقافي بين قبائل الجزيرة والسريان، متناسين أن معظم سكان المنطقة من السريان هم أبناء الهجرة القسرية التي أعقبت مذابح “سيفو” العثمانية. هؤلاء لم يهاجروا كقبائل، بل كلاجئين هاربين من الذبح، احتموا بسهول الجزيرة وقرى العشائر الكوردية التي تربطهم صلة العرق، وشكلوا قرى، وحارات كاملة ضمن مدن الجزيرة، وأسسوا كنائسهم ومدارسهم، قبل أن يُطلب منهم لاحقًا أن “يندمجوا” ضمن سردية عربية لا تشبههم.

إن المسألة ليست لغوية فقط، بل سياسية بامتياز، فمحاولة تعويم السريان ضمن الهوية العربية، أو نسبة أصولهم إلى قبائل عربية قديمة، ليست سوى شكل جديد من التذويب القومي، يذكرنا بسياسات “تعريب الكورد” في السبعينيات، حين كان يُطلب من الكوردي أن يُغيّر اسم قريته، ويعتمد العربية لغة رسمية، ويكفّ حتى الغناء بلغته الأم.

لكن السريان–الكورد، وبعد مسيرة طويلة من محاولات التعريب الممنهجة ومساعي فصلهم عن جذورهم الثقافية، أثبتوا قدرتهم على مقاومة الذوبان، من خلال ترسيخ اللغة باعتبارها مفتاح الهوية، ففي ظل الإدارة الذاتية، عادت المدارس السريانية إلى الحياة، وانتشرت التطبيقات الإلكترونية باللّهجتين الشرقية والغربية، وأُعيد تدوين المناهج، وظهرت أعمال أدبية وموسيقية جديدة باللغة السريانية.

  لم تعد اللغة محصورة في قداس الأحد، بل تحوّلت إلى مشروع تربوي وثقافي متكامل، يحمل شعلة البقاء في وجه محاولات الفناء، وهو ما لم تقدّمه أي سلطة سورية سابقة، باستثناء بعض الحالات المحدودة من عدم التدخل في شؤون الكنيسة، والحفاظ الشكلي على لغة المسيح داخل الإطار الطقسي.

ولأن اللغة ليست وسيلة فقط، بل أداة مقاومة، فإن الدفاع عن السريانية اليوم هو دفاع عن حق شعب في أن يُعرّف نفسه، لا أن يُعرَّف من الخارج، ومن هنا، فإن حماية هذا الحق لا تأتي من الحنين إلى الماضي، ولا من عقد الموائد الرمزية مع القبائل، بل من ترسيخ الاعتراف السياسي والقانوني بالقومية السريانية، كما تفعل الإدارة الذاتية.

الهوية ليست ناتج تلاقٍ عشائري أو علاقات مصاهرة، بل هي تراكم لغوي وثقافي وتاريخي، وإنكار هذا التراكم هو بمثابة محو ناعم، يرتدي قناع المحبة، ويذبح باسم “القرابة”.

وهنا ينبغي الإشارة إلى التمايز العميق بين السريان في منطقة الجزيرة السورية، الذين ما زالوا يقاومون الذوبان القومي بفضل الاعتراف الجزئي بحقوقهم ضمن الإدارة الذاتية، وبين السريان والآراميين في مناطق سوريا التاريخية، وفي فلسطين والأردن، الذين ذابت هويتهم تقريباً تحت وطأة السياسات العربية القومية، تلك المناطق التي كانت ذات يوم موطنًا للغة المسيح، تحولت إلى فضاء مُعَرَّب بالكامل، تم فيها القضاء على اللغة الآرامية، واستُبدلت هوية قومية كاملة بمنظومة استيعاب لغوي وسياسي، رُفعت فيها رايات العروبة والإسلام السياسي على حساب أصحاب الأرض والهوية.

ففي هذه المناطق، لم يكن التعايش هو الغالب، بل تم القضاء شبه الكامل على المكون السرياني والآرامي، سواء بالإهمال الثقافي، أو بالقتل العنيف، وأخرها كانت في مجزرة كنيسة مار إلياس، ولم يتم الاعتراف بلغتهم قط كلغة رسمية في جغرافيا كانت ذات يوم “أرض المسيح”، قبل أن تُحوَّل إلى جغرافية أحادية اللغة، وأحادية الهوية، باسم سلطة “لغة القرآن”، التي هيمنت على كل ما عداها.

لهذا، فإن المعركة من أجل السريانية، ليست معركة لغة فحسب، بل معركة بقاء لقومية بأكملها، وإن كانت الأنظمة القومية قد فشلت في إسكات السريان طوال قرن، فإن التاريخ سيقف مجددًا إلى جانب من يمنح هذه اللغة الحياة، لا من يحتفي بها بوصفها تراثًا ميتًا.

السريانية لم تمت، ولن تموت، لأنها ببساطة، ليست لغة فحسب، بل وطن يُنطق به، وهوية تُقاوم بها الإذابة، وذاكرة تحمي نفسها بالكلمات.

وكما حافظت الجبال على الكورد، حفظت اللغة السريانية من الفناء، وها هي اليوم تجد حليفًا نزيهًا في تجربة الإدارة الذاتية، في مقابل غموض عربي ما زال يتأرجح بين الإنكار والاحتواء.

إن من يريد العيش المشترك، عليه أولًا أن يعترف بالاختلاف، لا أن يلغيه باسم القربى، فالهويات لا تُصهر، بل تُحترم، وهذه هي أولى قواعد البقاء في الشرق الممزق.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

4/7/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…