عقاب الشرع: هوية جديدة أم راية مفروضة؟

عدنان بدرالدين
في احتفال رسمي داخل قصر الشعب بدمشق، كشفت إدارة أحمد الشرع، التي تسيطر على سوريا، أو بالأدق على جزء منها بحكم الأمر الواقع منذ سقوط نظام بشار الأسد، عمّا سمّته “الهوية البصرية الجديدة للجمهورية العربية السورية”. في مقدمة هذه الهوية، يتصدر طائر العقاب الشعار الرسمي للدولة، محاطًا بعناصر رمزية تقول الإدارة إنها تمثل الجغرافيا السورية: أربعة عشر ريشة تمثّل المحافظات، خمس ريشات تمثل مناطق البلاد الكبرى، وثلاث نجمات يُقال إنها ترمز إلى تحرر الشعب. لكن خلف هذه التفاصيل الفنية، ثمة قضية أعمق تتعلق بجوهر ما يُراد للدولة السورية أن تكونه في هذه المرحلة الانتقالية، ومن يملك حق ترميز صورتها رسميًا.
فالعقاب، كما أوضح الرئيس المؤقت أحمد الشرع نفسه، لم يُختر لشكله أو قيمته الجمالية، بل جاء استحضارًا واعيًا ومتعمدًا لتراث خالد بن الوليد ورايات الفتح الإسلامي وهو بذلك يشكّل قطيعة مع رمزية “النسر”، الذي مثّل لعقود طويلة الدولة القومية العربية، بشقيها الناصري والبعثي، ذات المرجعية الشمولية – “العلمانية”، مع التحفّظ الشديد على وسم القومية العربية بالعلمانية أصلاً. والنسر، المستلهم من رموز الإمبراطوريات القديمة كالرومانية والبيزنطية، كان يرمز إلى السيادة والسطوة المركزية، وتبنّته النخب القومية العربية كرمز للدولة القوية والموحَّدة. وقد جرى استبداله الآن براية مستلهمة من الفتوحات الإسلامية الأولى، ذات بُعد ديني وسُنّي واضح. لم يأتِ العقاب كرمز جامع لمكونات سوريا، بل كعلامة على استبدال هوية بهوية، وسردية بأخرى، في سياق لا تزال فيه السلطة الجديدة تُرسّخ وجودها بالقوة، لا بالتوافق الوطني أو التمثيل الشعبي، الغائبَين عن المشهد تمامًا.
في التجارب التاريخية العالمية، لم تكن رموز الدول يوماً بمنأى عن سياقاتها السياسية. فعندما استعادت ألمانيا وحدتها عام 1990، اختارت علم ثورة عام 1848 الليبرالية ليكون رمزها الوطني، باعتباره تعبيرًا عن تطلعات ديمقراطية جامعة لا ترتبط بإرث قمعي، ولا تحمل دلالات الانقسام الذي طبع حياة أمة متجانسة ثقافيًا وعرقيًا طيلة واحدٍ وأربعين عامًا من الانفصال. أما في جنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، فلم تُفرض هوية جديدة من طرف السلطة، بل طُرحت على الشعب من خلال مسابقة وطنية، أنتجت علمًا يُعبّر عن تنوع البلاد وأملها في العيش المشترك. أما في سوريا، فقد جاءت الهوية الجديدة من طرف واحد، هو هيئة تحرير الشام ورئيسها أحمد الشرع، من دون انتخابات أو استفتاء أو مشاركة من مكونات الشعب السوري. لا أثر واضح للكُرد أو السريان أو الدروز أو غيرهم من الأقليات في هذا التصميم، ولا دلائل على أن أحدًا سألهم عمّا إذا كان العقاب يمثّلهم. بل إن رمزية العقاب نفسها، بما تحمله من دلالات تاريخية على الغزو والانقضاض، تتناقض مع حاجات بلد أنهكته عقود من الحرب والإقصاء، ويبحث عن بناء جديد، لا عن إعادة تدوير رموز التفوق والقوة.
التحول من “نسر البعث” إلى “عقاب الشرع” ليس مجرد تعديل في الشعار، بل إعلان ضمني عن طبيعة النظام القادم: تحوّل حذِر لكنه واضح الدلالة من دولة قومية استبدادية مركزية إلى دولة ذات مرجعية إسلامية محافظة، لا تقل عنها مركزية، تستمد شرعيتها من السردية الدينية لا من التوافق الشعبي. ويُراد لهذا التحول أن يبدو وكأنه تأسيس لكيان سياسي مختلف نوعيًا، بينما هو في الحقيقة إعادة إنتاج لآليات الحكم السلطوي ذاتها، دون مراجعة نقدية لجذور الأزمة السورية المتفاقمة. إنه رهان مزدوج: إقناع الداخل بأن صفحة الأسد طُويت، وإقناع الخارج بأن ثمة نظامًا متماسكا يمكن التعامل معه، حتى إن افتقر إلى شرعية شعبية حقيقية.
ورغم هذا الطابع الإسلامي الصريح، حافظت إدارة الشرع بتعمد لا تخطئه العين على الاسم الرسمي الموروث  للدولة: “الجمهورية العربية السورية”، وهو اسم يستفز مشاعر المكونات غير العربية، وخاصة الكرد، دون أن تُقدم على استبداله بـ”الإسلامية”، كما قد يتوقع البعض بالنظر إلى هوية السلطة الجديدة. لم يكن هذا الإبقاء مصادفة، ولا نابعًا من إيمان بالفكر القومي، أقله بمفهومه البعثي،، بل هو قرار براغماتي بحت، يُستخدم الاسم كغطاء شكلي لتفادي العزلة الدولية، والحفاظ على قنوات التواصل الرسمية، وتجنّب إثارة حفيظة أطراف إقليمية قد ترى في إعلان “جمهورية إسلامية سورية” استدعاءً لتجربة إيران بلبوس سني. إدارة الشرع، إذ تختبئ خلف ستار “اسم مألوف”، تؤجل لحظة الاصطدام بين جوهرها العقائدي والتمظهر القانوني لهذا الجوهر، بانتظار ظرف أكثر ملاءمة لفرض مشروعها الحقيقي.
لكن السوريين، بمختلف أعراقهم وطوائفهم، لا يحتاجون إلى عقاب يرفرف فوقهم في استعراض للقوة، بل إلى مشروع ينبع من إرادتهم ويجسّد حلمهم في الحرية، ويُصغي إلى أوجاعهم وآمالهم المسلوبة، ويُعيد كتابة رموز الدولة معهم لا عنهم. فلا هوية بصرية ستوحد السوريين ما لم يُسترد الوطن أبنائه المبعدين بالمعنى الرمزي والحرفي للكلمة، ولا راية ستحظى بالإجماع ما لم تُجسّد التعدد الذي يعزز الوحدة. فالعقاب رغم شموخه لا يمكن أن يكون رمزًا للوطن حين يُرفع كراية لهيمنة الدولة على مواطنيها. فالهيمنة لم تصنع يومًا وطنًا سعيدًا، ولن تصنعه في سوريا.
6 تموز 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…