لماذا يُعتبر الحل الثالث الإجابة الحقيقية الوحيدة لمسألة إيران؟

نظام مير محمدي *

 

الحل الثالث: نقد الحلول الفاشلة

لقد مرت أربعة عقود على حكم نظام ولاية الفقيه في إيران؛ هذا النظام الذي انحرف منذ البداية بالمسار التاريخي للثورة المناهضة للملكية عام 1979، بفرضه الاستبداد الديني، وقمع الحريات، واغتصاب سيادة الشعب. ولم يقتصر هذا النظام على عدم الاستجابة للمطالب التاريخية للشعب الإيراني بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل خلق أزمات عميقة داخل الحدود وخارجها من خلال القمع والإرهاب وإشعال الحروب.

ما هو المخرج من الأزمات الناجمة عن الفاشية الدينية، وما هو الرد المناسب على القضية الإيرانية، خاصة في الظروف الراهنة؟

الجواب، كما أكدت مريم رجوي في خطاباتها بالبرلمان الأوروبي والتجمعات المتعددة للمقاومة الإيرانية، لا يكمن في المساومة مع النظام ولا في الحرب الخارجية، بل في “الحل الثالث”: تغيير النظام على يد الشعب والمقاومة الإيرانية المنظمة.

طبيعة عدم قابلية نظام ولاية الفقيه للإصلاح

الإصلاحية، بمعنى إحداث تغييرات تدريجية في الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون تغيير جذري للنظام الحاكم، طُرحت كحل في العديد من المجتمعات. لكن هل هذا النهج ذو صلة في إطار نظام ولاية الفقيه؟ التجربة التاريخية لأربعة عقود من حكم هذا النظام تظهر أن الإصلاحية في هذا النظام ليست ممكنة فحسب، بل هي أداة لبقاء الاستبداد الديني واستمراره. سياسة المساومة والتعلق بوهم الإصلاحات في هذا النظام وجهان لعملة قديمة وصدئة لم يعد أحد ينخدع بها في الظروف الراهنة.

لقد تأسس حكم ولاية الفقيه، الذي أقامه خميني بفرض مجلس الخبراء بدلاً من الجمعية التأسيسية، وتحديد مبهم لـ”الجمهورية الإسلامية” بدلاً من الجمهورية الديمقراطية، وقمع الحريات والقوى الثورية، على طبيعة قروسطية ومعادية للديمقراطية منذ البداية. لقد اغتصب هذا النظام سيادة الشعب بمبدأ ولاية الفقيه، وحافظ على هيمنته من خلال القمع والإعدامات والمجازر بحق المعارضين، بما في ذلك مجزرة السجناء السياسيين في صيف 1988. هذا الهيكل، القائم على الاستبداد الديني والسلطة المطلقة للولي الفقيه، لا يملك القدرة الأيديولوجية والهيكلية على قبول الإصلاحات.

التيارات التي تطلق على نفسها اسم “الإصلاحية” في هذا النظام، لم تلتزم عملياً بمبدأ ولاية الفقيه فحسب، بل ساهمت أيضاً في بقاء النظام عبر تغيير المظاهر السطحية. على حد تعبير مسعود رجوي: “الأفعى لا تلد حمامة”؛ فالإصلاحية الحقيقية تتطلب الحرية كشرط مسبق، في حين أن إصلاحيي النظام لم يلتزموا الصمت فحسب أمام السجون والتعذيب والإعدامات وتصدير الإرهاب، وانخرطوا في صراعات على السلطة وحصصها، بل كانوا في كثير من الحالات من المتورطين في التعذيب والقمع داخل هذا النظام. الشعار التاريخي للشعب الإيراني، “الإصلاحيون والأصوليون، انتهت القصة”، يظهر بوضوح بطلان هذا التيار. لذلك، فإن التغيير من داخل النظام أمر وهمي ولا يمكنه تلبية احتياجات المجتمع الإيراني.

ضرورة الإسقاط والحل الثالث

بالنظر إلى عدم جدوى الإصلاحية، يطرح السؤال التالي: كيف يمكن تغيير النظام؟ الجواب يتلخص في منهجين متناقضين: التغيير عبر قوة خارجية أو التغيير بواسطة قوة داخلية. الحل الثالث، الذي تمثله مريم رجوي، يؤكد على تغيير النظام بواسطة الشعب والمقاومة المنظمة.

التغيير عبر قوة خارجية: تجربة فاشلة

تؤمن بعض التيارات بأن إسقاط النظام ممكن فقط عبر التدخل العسكري الخارجي، على غرار نموذج احتلال العراق. لكن تجربة الدول الأخرى تُظهر أن هذا النهج لا يؤدي إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فحسب، بل ينتهي إلى الفوضى والتبعية وتفاقم الأزمات. الشعب الإيراني، الذي ناضل لأكثر من قرن منذ الحركة الدستورية من أجل الاستقلال والحرية، لا يقبل التبعية للأجانب أو العودة إلى الملكية. الحل الثالث، على عكس هذا النهج، يؤكد على الاعتماد على الذات والقوة الداخلية.

التغيير بواسطة الشعب والمقاومة المنظمة

الحل الثالث، الذي يضرب بجذوره في النضالات التاريخية للشعب الإيراني من المشروطة (الحركة الدستورية) إلى الثورة المناهضة للملكية، يقوم على الاعتقاد بأن إسقاط الفاشية الدينية ممكن فقط بالاعتماد على قوة الجماهير المنتفضة والمقاومة المنظمة. هذه المقاومة، التي يمثلها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة، ولها تاريخ يمتد لأكثر من خمسة عقود من النضال ضد ديكتاتوريتي البهلوي وولاية الفقيه، تتمتع بخصائص تجعلها بديلاً موثوقاً به. هذه الخصائص هي:

  • التنظيم والتأطير: المقاومة الإيرانية، بشبكة واسعة من معاقل الانتفاضة وجيش التحرير الوطني، لديها القدرة على تنظيم وقيادة التحولات الثورية.
  • تاريخ النضال ودفع الثمن: هذه المقاومة، بتحملها السجون والتعذيب والإعدامات والمجازر، وبفضحها لجرائم النظام، أثبتت أنها مضحية ومخلصة ولا تخشى دفع أقصى الأثمان.
  • برنامج واضح: المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بتقديمه خططاً متعددة لفترة الانتقال السلطة إلى الشعب، بما في ذلك فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الرجل والمرأة، والحكم الذاتي للقوميات، قد رسم رؤية واضحة لإيران المستقبل. إن خطة مريم رجوي ذات العشر نقاط هي تجسيد لهذه المنصة.
  • قيادة متمرسة: قيادة هذه المقاومة، التي تمثلها مريم ومسعود رجوي، أثبتت عملياً قدرتها على تجاوز الأزمات من خلال قيادة نضال دام خمسين عاماً.
  • التميز عن الاستبداد والتبعية: هذه المقاومة، برفضها للإصلاحية المزيفة والتبعية للأجانب، تؤكد على السيادة الشعبية وآراء الشعب.

الكلمة الأخيرة

باختصار، إن الحل الثالث، الذي طرحته مريم رجوي بتأكيدها على إسقاط النظام على يد الشعب والمقاومة المنظمة، ليس فقط حلاً للأزمة الإيرانية الراهنة، بل هو شرط للسلام والأمن المستدام في المنطقة. هذا الحل، برفضه المساومة والحرب الخارجية، يرتكز على الاعتماد على الذات، والتنظيم، وتضحية الشعب الإيراني. البديل الحقيقي هو مقاومة مهدت وتمهد الطريق لإيران حرة وديمقراطية ومتساوية بدماء الشهداء وتضحية لا مثيل لها.

الحرية لا تُقدم على طبق من ذهب. ولا يمكن لأي قوة خارجية أن تقدمها للشعب الإيراني. الحرية تُكتسب بالكثير من المعاناة والثمن الباهظ. وهذه هي تجربة جميع الثورات الديمقراطية.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…