المجلس الوطني الكردي في قلب الرؤية الكردية المشتركة …!

اكرم حسين 
تشهد الساحة الكردية السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً لافتاً في الهجمات الإعلامية والسياسية على المجلس الوطني الكردي، بلغت حدّ إعلان “موته السياسي” والترويج لوجود “غضب عارم تجاهه”، وهي مقولات لا تجد ما يسندها في واقع المجتمع الكردي السوري. اللافت في هذه الحملات أنها تتجاهل عمداً التطورات السياسية النوعية التي يشهدها الحراك الكردي، وعلى رأسها الإعلان عن الرؤية الكردية المشتركة المنبثقة عن “كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي” المنعقد في قامشلو أواخر نيسان 2025، باعتبارها منعطف تاريخي  في مسار السياسة الكردية السورية.
من زاوية معرفية وسياسية، يصعب تصنيف هذه الحملات ضمن النقد المشروع أو التصويب البنّاء. فهي في كثير منها تنطلق من خلفيات انفعالية شخصية أو أيديولوجية، وتتغذّى على ثنائية “التخوين والتشكيك”، وتقوم على التعميم والاجتزاء ، و تختزل المجلس الوطني الكردي في موقف فردي هنا، أو تعثّر تنظيمي هناك، متناسيةً دوره التاريخي الممتد منذ تأسيسه عام 2011، كممثل شرعي لطموحات شريحة واسعة من الكرد السوريين، وكمكوّن فاعل في المعارضة الوطنية السورية.
صحيح أن المجلس يعاني من تحديات حقيقية على مستوى البنية التنظيمية والأداء السياسي، شأنه شأن معظم القوى السياسية في ظروف الحرب وعدم الاستقرار ، إلا أن ذلك لا يُبرّر محاولات إقصائه أو التشكيك في شرعيته. فهو لا يزال أحد الأركان الأساسية في العمل القومي الكردي السوري ، وشريك رئيسي في الرؤية الكردية المشتركة، وعضو فاعل في الوفد الكردي الموحد الذي يستعد لبدء حوار سياسي مع حكومة دمشق الانتقالية، وفق أجندة كردية واضحة ومعلنة لأول مرة بصيغة توافقية بين القوى الكردية الأساسية، ومدعومة بشكل مباشر من الرئيس مسعود بارزاني.
لقد جاء الإعلان عن الرؤية المشتركة تتويجاً لجهد سياسي طويل، ومحصّلة لنضج وطني من قبل كل من المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، وبدعم قومي ودولي ، وقد حدّدت الرؤية المطالب المبدئية للكرد: من الاعتراف الدستوري بوجودهم القومي، إلى ضمان الحقوق الثقافية واللغوية، والمشاركة الفعلية في إدارة الدولة، وصولاً إلى خيار اللامركزية ضمن حدود سوريا الموحدة. هذا الإنجاز ما كان ليتم دون شراكة المجلس، وحضوره، وثقله السياسي.
وعليه، فإن أي محاولة لتهميشه أو نفي وجوده هي إنكار للواقع، وافتعال لصراعات داخلية في غير أوانها. فالمسألة الكردية في سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، وأي تقويض لوحدة الصف أو تحريف للبوصلة سيُضعف الموقع الكردي في الاستحقاقات القادمة.
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال أهمية الاتفاق الذي تم توقيعه في 10 آذار 2025 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، ورئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع. فقد مهّد هذا الاتفاق لحوار سياسي جديد ، وأسهم في تفادي احتمالات صراع كردي–عربي في الشمال الشرقي، وأسّس لإطار تفاهم وطني يعترف بالشراكة، ويضمن حقوق المكونات، وعلى رأسها الشعب الكردي.
إن من يهرع إلى “نعي” المجلس الوطني الكردي أو التقليل من شأنه، يتجاهل أن العمل السياسي لا يُختزل في منشورات فيسبوك أو تغريدات تويتر، بل هو فعل تراكمي طويل الأمد، يتطلّب مراجعة دائمة، لكنه لا يحتمل الإلغاء أو الشطب. فالمجلس، بما له وما عليه، هو جزء من الذاكرة السياسية والنضالية للكرد السوريين، وعليه أن يتطوّر ويتجدد، لا أن يُلغى أو يُهاجم .
معركة الكرد اليوم لم تعد مع بعضهم البعض، بل مع شكل الدولة السورية القادمة، ومع موقعهم فيها كقضية قومية تستوجب الحل ، وهذا النضال لا يُخاض إلا بوحدة الصف، وتكامل الأدوار، واحترام التعددية السياسية، والتمسك بالمؤسسات مهما تكن ملاحظاتنا عليها.
فالوحدة الكردية  لم تعد شعاراً، بل باتت واقعاً سياسيا ًيتجسّد في الوفد الكردي المشترك، وفي الرؤية الكردية الموحدة، وفي الحوارات المنتظرة مع دمشق. وهذه اللحظة – باعتقادي – لا تحتمل المزيد من التشويش، بل تستدعي أعلى درجات الوعي والمسؤولية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…