نحو تجديد العمل السياسي الكوردي في سوريا

عمر  إبراهيم
تمرّ سوريا اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة ومفصلية، تتداخل فيها التحولات السياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وسط حالة من عدم اليقين بشأن شكل الدولة ومستقبلها. وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، تبرز الحاجة إلى قوى سياسية تمتلك رؤية واضحة، وتدرك أن مستقبل البلاد لا يُبنى بالإقصاء أو فرض الأمر الواقع، بل بالحوار والشراكة والاعتراف بحقوق جميع المكونات.
وفي هذا المشهد، تمرّ كوردستان سوريا أيضاً بمرحلة تتطلب من القوى السياسية الكوردية مسؤولية تاريخية تتجاوز ردود الفعل والمواقف التقليدية، وتنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل 
إن واقع العمل السياسي الكوردي يحتاج اليوم إلى مراجعة شجاعة وهادئة. فما زالت الحركة الكردية تعاني من مركزية القرار وضعف المؤسسات وغياب البرامج السياسية الواضحة، بينما بقيت طاقات واسعة من من مجتمع الكوردي مثل المثقفين الشباب والنساء خارج دائرة المشاركة الفعلية في صناعة القرار. وهذه التحديات لم تعد تحتمل التأجيل، لأن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مؤسسات قوية وقيادات قادرة على التفكير بالمستقبل.
إن الشعب الكوردي هو ثاني أكبر قومية في سوريا، ومن هذا الواقع تنطلق المطالبة بالاعتراف الدستوري الكامل بحقوقه القومية والثقافية واللغوية والسياسية، ضمن سوريا ديمقراطية تعددية تحفظ حقوق جميع مكوناتها.ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى برامج سياسية واضحة المعالم، تتضمن رؤية استراتيجية للمستقبل، وتصورات عملية لإدارة المرحلة الراهنة والمراحل الانتقالية المقبلة. فالاكتفاء بالشعارات العامة، من دون ترجمتها إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ، يخلق فجوة بين القول والفعل، ويضعف ثقة المجتمع بالعمل السياسي.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من ثقافة «الحزب = الشخص» إلى ثقافة «الحزب = المؤسسة»، ومن الشعارات إلى البرامج، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن الجمود إلى التجديد. كما أن الاستثمار في الشباب والنساء ضرورة لبناء جيل قادر على إدارة الأزمات وصناعة المستقبل.
فالكرسي السياسي ليس امتيازاً، بل أمانة ومسؤولية. وقيمة المسؤول تُقاس بما يتركه من مؤسسات وحلول، لا بما يشغله من مناصب.
إن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر تكرار التجربة، بل عبر تجديدها؛ ولا يمر عبر الفرد، بل عبر المؤسسة والعمل الجماعي. وتجديد العمل السياسي الكوردي اليوم ليس ترفاً، بل مسؤولية تاريخية تجاه شعب وأجيال قادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…