ليس كل من غاب أصبح ضحية… وليس كل من حضر أصبح بطلاً

*شيرزاد مامساني/ اسرائيل
من أكثر الظواهر المؤلمة التي بدأت تنتشر بين بعض المثقفين والناشطين الكورد، ولا سيما في المهجر، أن بعضهم يربط نجاح أي مشروع أو مؤتمر أو نشاط بوجوده الشخصي.
فإذا لم يُدعَ، أو دُعي ولم يُمنح فرصة لإلقاء كلمة، أو لم يكن في الصف الأول، انقلب فجأة إلى معارض لكل شيء. لا يبحث عن مكامن القوة والضعف، ولا يقدم نقدًا بنّاءً أو حلولًا، بل يتحول إلى محكمة هدفها التقليل من قيمة أي إنجاز.
هذه ليست ثقافة النقد، بل ثقافة الأنا.
المثقف الحقيقي لا يسأل: (أين مكاني؟)، بل يسأل: (أين مصلحة شعبي؟).
لقد شاركت مؤخرًا في المؤتمر الأول لاتحاد الكتّاب الكورد في المهجر في ألمانيا بصفتي ضيفًا. نعم، كانت هناك نواقص وأخطاء تنظيمية، وهذا طبيعي في أي تجربة تأسيسية، لكن الحقيقة تبقى أن المؤتمر كان خطوة مهمة وناجحة. ولأول مرة اجتمع كتّاب كورد من مختلف أجزاء كوردستان، ومن مدارس فكرية متعددة، بعيدًا عن الوصاية الحزبية والأيديولوجية. وهذا بحد ذاته إنجاز ينبغي تطويره لا تحطيمه.
إن قيمة المؤتمر لا تُقاس بعدد الكلمات التي ألقيتها، بل بعدد الجسور التي بُنيت بين العقول.
لقد قطعت آلاف الأميال، وعلى نفقتي الشخصية، لا من أجل صورة، ولا بحثًا عن شهرة، ولا انتظارًا لمنصب أو امتياز، بل لألتقي بكتّاب ومفكرين أحببت أن أستمع إليهم، وأن أتحاور معهم حول الماضي، ونناقش الحاضر، ونفكر معًا في مستقبل شعبنا.
المؤتمر ليس مسرحًا لاستعراض الذات، بل ورشة لبناء المستقبل.
من المؤسف أن بعضنا ما زال يظن أن نجاح الآخرين يعني هزيمته، بينما الحقيقة أن نجاح أي مؤسسة ثقافية كوردية هو مكسب لكل الكورد، سواء حضرنا أم غبنا.
لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تتقدم عندما ينتصر الأشخاص، بل عندما تنتصر الفكرة.
ولذلك، دعونا نغادر عقلية: (إن لم أكن موجودًا فلا قيمة لما يحدث)، لأن المشاريع الكبرى لا تبنى حول الأشخاص، بل حول المبادئ.
حكم تستحق التأمل
‏(Çiya li cihê xwe dimîne, mirov tên û diçin.)
(يبقى الجبل في مكانه، أما البشر فيأتون ويرحلون.)
(Agir bi yek darê nagire.)
(النار لا تشتعل بعود واحد.)
كما كتب في تلمود قبل الاف سنين:
(لا تحتقر أي إنسان، ولا تستهن بأي شيء، فلكل إنسان ساعته، ولكل شيء مكانه.)
كونفوشيوس يقول:
(الرجل العظيم يبحث عن السبب في نفسه، أما الرجل الصغير فيبحث عنه في الآخرين.)
(إذا أردت أن تذهب سريعًا فاذهب وحدك، وإذا أردت أن تذهب بعيدًا فاذهب مع الآخرين.)
(الأشجار المثمرة لا تنمو في يوم واحد، وكذلك المؤسسات الناجحة.)
اقول بمختصر جدا…..
الشمس لا تنتظر تصفيق أحد كي تشرق.
والتاريخ لا يسأل من حضر المؤتمر، بل يسأل: ماذا بقي بعده؟
نجاح أي مشروع ثقافي كوردي هو نجاح لنا جميعًا، سواء كنا على المنصة، أو بين الحضور، أو حتى خارج القاعة.
فلنكن أكبر من ذواتنا… لأن كوردستان أكبر منا جميعًا.
—————————-

*رئيس شبكة تحالف اسرائيل-كوردستان

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…