حسن قاسم
لطالما كان الإعلام يُعدّ أحد أركان المجتمعات المتحضرة، بوصفه أداة لنقل الحقيقة، وكشف المستور، ومناصرة المظلومين. وفي أوقات الحرب كما في السلم، يبقى الإعلام صوتَ الضمير الجمعي حين يتحلى بالمهنية والنزاهة، ويقف إلى جانب الحقيقة في وجه الطغيان. إلا أن هذا الدور النبيل للإعلام لم يسلم من التشويه، إذ ابتُليت الساحة الإعلامية بما يمكن وصفه بـ”الانحطاط الأخلاقي” لبعض المنابر والشخصيات التي استبدلت قدسية الكلمة بدناءة التحريض.
فبدلاً من أن تكون وسيلة لتقريب وجهات النظر، أصبحت بعض الوسائل الإعلامية منابر للفتنة الطائفية، وأوكاراً للتجييش والكراهية، تُضخّم الصراعات، وتختلق الروايات الزائفة، وتستبيح دماء الشعوب تحت شعارات كاذبة. وقد رأينا كيف تحوّلت بعض القنوات والمنصات إلى أدوات في أيدي الأنظمة القمعية، أو مراكز القوى الإقليمية، تستخدمها لتلميع الجلاد وتشويه الضحية.
المعضلة لا تقف عند الوسائل فحسب، بل تمتد إلى ما يُسمّى بـ”الإعلاميين” الذين باعوا أقلامهم وأصواتهم في سوق النخاسة السياسية. هؤلاء لا يمكن اعتبارهم سوى شخصيات ساقطة مهنياً وأخلاقياً، تافهة المحتوى والطرح، تتغذى على الإثارة والتشويه، وتعيش على الفتن والدماء. هم ليسوا ناقلي حقيقة، بل مروّجو أكاذيب محترفون، يغلفون السم بالدسم، ويسهمون عن وعي أو عن جهل في هدم النسيج الاجتماعي، وتمزيق الأوطان.
والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء يتحدثون باسم “المهنية” و”الرسالة الإعلامية”، بينما لا يترددون في فبركة الأخبار، واجتزاء الوقائع، والتلاعب بالمصطلحات لإثارة الغرائز وتغذية الانقسام الطائفي أو القومي. إنهم لا يعملون من أجل الرأي العام، بل من أجل من يدفع أكثر.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط فضح هذه المنابر وتعرية أدواتها، بل إعادة الاعتبار لمهنة الإعلام بوصفها رسالة لا مهنةً للارتزاق، وبوصفها صوتاً للعدالة لا أداة للهيمنة. وهذا يتطلب:
تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور لتمييز الحقيقة من الزيف.
دعم المنصات الحرة والمستقلة التي تحترم عقل المشاهد.
إصدار مواثيق إعلامية ملزمة تطال المحاسبة والعقاب.
وتشكيل تحالفات إعلامية أخلاقية تتصدى لحملات التضليل والتحريض.
الإعلام الحق ليس من يرفع الصوت عالياً، بل من يصونه من السقوط. إنه من يُجري القلم على الورق كمن يُجري السكين على قلبه حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان وحق الشعوب في الحياة الحرة الكريمة.
وفي زمنٍ تُستباح فيه الحقائق، يصبح الصمت خيانة، والكلمة الصادقة مقاومة. فليكن الإعلام، كما يجب أن يكون، نوراً في زمن العتمة، لا خنجراً في خاصرة الحقيقة.