أحمد بلال
لم يفهم كثيرون مضمون رسالة الكاتب والمفكر التركي إسماعيل بيشكجي الحقيقي، رغم أن عنوانها كان واضحاً وصريحاً، كما أن مضمونها وشرحها كانا أكثر وضوحاً وصراحة. فقد حملت الرسالة عنواناً مباشراً لا يحتمل التأويل: «كوردستان مستعمرة دولية».
نعم، كانت رسالة واضحة وصريحة، ولكن ما الذي قصده بيشكجي بهذا الوصف؟
يعلم أبناء الشعب الكوردي أن كوردستان، وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو، ومن بعدها معاهدة لوزان، قُسِّمت إلى أربعة أجزاء، وأن الجزء الأكبر منها وقع تحت حكم وريثة الإمبراطورية العثمانية، أي الجمهورية التركية الحالية.
واليوم تُعد الجمهورية التركية عضواً في حلف الناتو، أحد أكبر وأقوى التحالفات العسكرية في العالم، وتمتلك ثاني أكبر جيش داخل الحلف. كما أن حجم التعاون والتنسيق والالتزامات المتبادلة بين دول الحلف أمر معروف. ومن هنا يرى إسماعيل بيشكجي أن تأثير تركيا ونفوذها لا يقتصران على الجزء الواقع تحت سيطرتها من كوردستان، بل يمتدان، بدرجات متفاوتة، إلى مجمل القضية الكوردية في أجزائها المختلفة، عبر شبكة العلاقات والتحالفات الدولية.
لقد كانت رسالة بيشكجي واضحة وصريحة، إلا أن كثيراً من المثقفين الكورد وقادة الحركة الكوردستانية، بحسب هذا الطرح، لم يدركوا مضمونها العميق، والمتمثل في أن كوردستان ليست مجرد قضية داخلية تخص دولة واحدة، بل هي قضية مرتبطة بموازين القوى الإقليمية والدولية وتحالفاتها، ولذلك وصفها بيشكجي بأنها «مستعمرة دولية».
وانطلاقاً من هذه الرؤية، ترى تركيا أن أي مشروع قومي كوردي، أو أي خطوة باتجاه الاستقلال أو تقرير المصير، يمثل تحدياً مباشراً لها ولمصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا جاءت تصريحات عدد من الرؤساء والمسؤولين الأتراك التي عكست هذا الموقف، ومنها القول: «لو بنى الكورد خيمة على القمر لهدمناها»، وكذلك: «لو بنى الكورد خيمة لهم في إفريقيا لهدمناها». وكان من بين الذين عبّروا عن هذا التوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
واليوم، وأنا أشاهد الجلسة الأولى لمجلس الشعب في سوريا، وأتابع وضع النواب الكورد فيه، تذكرت تصريحات وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، عندما دخل إلى اجتماع المجلس الوطني الكوردي في أربيل، بعد مغادرة ممثلي مجلس غرب كوردستان قاعة الاجتماع، والذي أسفر لاحقاً عن الاتفاق بين الطرفين وإعلان الهيئة الكوردية العليا (Desteya Bilind ya Kurd).
حينها تحدث داود أوغلو قائلاً إن الدولة التركية تدعم حقوق الشعب الكوردي وفق ما يقرره مجلس الشعب السوري الذي سيتشكل بعد إسقاط نظام بشار الأسد، مؤكداً أن أولوية تركيا في تلك المرحلة كانت إسقاط النظام.
وللأسف، وأنا أشاهد جلسة مجلس الشعب اليوم، شعرت بأن ما قاله وزير الخارجية التركي آنذاك قد تحقق إلى حد بعيد، وأن الواقع لم يبتعد كثيراً عما تحدث عنه في ذلك الوقت.
فنواب الكورد الممثلون في مجلس الشعب هم من المجلس الوطني الكوردي، وعندما وقف عبد الحكيم بشار لتقديم نفسه، لم يذكر أنه كان سكرتيراً لحزب كوردي، ولم يُشر إلى أنه شغل منصب نائب رئيس الائتلاف ممثلاً عن الكورد.
وبناءً على هذه الرؤية، فإن استمرار تركيا عضواً في حلف الناتو يعني، من وجهة نظر أصحاب هذا الطرح، استمرار الواقع السياسي القائم في كوردستان، واستمرار خضوع القضية الكوردية لتوازنات ومصالح القوى الدولية.
ورغم كل ذلك، يبقى الشعب الكوردي شعباً حياً، لا يقبل الإهانة، ولا يرضخ للظلم، ولا يتخلى عن حقوقه المشروعة، وسيواصل نضاله من أجل حريته وكرامته وحقوقه القومية المشروعة.
وفي حال رفضت الدول الأربع التي يعيش فيها الكورد، وهي تركيا والعراق وسوريا وإيران، الاعتراف بهذه الحقوق ضمن إطار ديمقراطي حقيقي، فإن من حق الشعب الكوردي المطالبة بدولته الحرة والمستقلة، أو بأي صيغة سياسية أخرى تضمن له كامل حقوقه القومية.
أما إذا اختارت هذه الدول بناء أنظمة ديمقراطية حقيقية، فإن مطلب الشعب الكوردي يتمثل في أن يكون شريكاً كاملاً ومتساوياً مع القوميات السائدة، وأن يتمتع بجميع حقوقه القومية والثقافية والسياسية، من دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الهوية القومية.