صلاح بدرالدين
في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم اختار حافظ الاسد بنفسه ” النقيب ” محمد منصورة ، ليترأس مفرزة المخابرات العسكرية في القامشلي ، التي تحولت الى فرع مسؤول عن محافظة الحسكة ، وتولى رئيس الفرع مسؤولية الملف الكردي في كل من سوريا ، والعراق ، وتركيا ، وظل في موقعه نحو ربع قرن بعد ان ترقى الى رتبة لواء .
من أواخر السبعينيات الى منتصف التسعينيات ، أنجز – منصورة – المهام الموكلة اليه من القصر الجمهوري وفي مقدمتها تعميق المخططات العنصرية المتعلقة بكل من ( الحزام والاحصاء ) ، واستمرارية تهجير الكرد ، وحرمانهم من الحقوق الأساسية بحسب استراتيجية النظام الموضوعة منذ عقود ، وتصفية الحركة الكردية السورية وفي المقدمة الأطراف التي ترفع شعار تبديل النظام ، وحل القضية الكردية على أساس مبدأ تقرير المصير ضمن سوريا الديموقراطية الموحدة وتحديدا حزب ( الاتحاد الشعبي الكردي ) ، كما شارك في صنع جميع الأحداث ، والتطورات المتعلقة بالشأن الكردي من صعود أحزاب كردية جديدة ، وشق أحزاب أخرى .
وقد مارس نفس التكتيك الرسمي في توجيه الأنظار الى الجوار السوري بتشجيع الكرد السوريين للانضمام الى مسلحي – ب ك ك – ، من دون منع التواصل مع مركزي أربيل والسليمانية في كردستان العراق ، بل وتسهيل ذلك بافتتاح مركز للمخابرات العسكرية على الجانب السوري من معبر – سيمالكا – .
ومايتعلق بإحدى مهامه الأساسية في ( تكريد الصراع ) أي ضرب الكرد ببعضهم حاول – منصورة – تنظيم اصطفاف حزبي كردي موالي من ( اليمين ، والبارتي ، ومنشقين عن الاتحاد الشعبي ) ، وتعيين ثلاثة عنهم في مجلس شعب النظام ، وارسال الثلاثة الى مؤتمر – ستوكهولم التضامني – بداية التسعينيات الذي أقامه الحزب الاشتراكي السويدي الحاكم آنذاك تضامنا مع الشعب الكردي ، من أجل ان يشهدوا في كلمتهم زورا أن النظام السوري ديموقراطي ولايضطهد الكرد !!؟ وتم ذلك ، وقد كان مقررا ان يتحول ذلك الاصطفاف الثلاثي الى محور أو مايشبه ( الجبهة الوطنية التقدمية ) كرديا كمصفق لحزب البعث الحاكم ، لولا أن جماعات – ب ك ك – نالت الأرجحية بهذا المجال ، وقطعت الطريق على هؤلاء ، وبقي الحرمان من ذلك الموقع حسرة في قلوب البعض .
لن تمحى عن الذاكرة أبدا ذلك المنظر المقزز عندما اقامت الأطراف الثلاثة حفلا تحت خيمة ( العار ) في القامشلي بمناسبة ( نجاح !؟) ممثليهم الى مجلس الشعب ، والكلمة الموجهة من أحد مسؤوليهم الى نجم الحفل – منصورة – وتضمنت حرفيا : ” شكرا أبو جاسم الاسم المدلل لمنصورة ” سنرد لك الجميل بالجميل ” مكررا لمرات ثلاث .
في عهد – منصورة – انبثق حزب – الوحدة – وتوسع ، وتم الانفتاح على حزب اليمين ، وعومل – البارتي – بمختلف اجنحته بشكل حسن خاصة بعد زيارة الزعيم الأخ مسعود بارزاني الى القامشلي ، وظهر حزب – يكيتي – ونال دلالا خاصا في البداية كثمن لعملية شق الاتحاد الشعبي .
مواجهة الحقيقة
جميع الأحزاب ، والتنظيمات ، والمجموعات الكردية التي نالت رضا حاكم الجزيرة و” كبشها ” بحسب توصيف الدكتاتور المقبور حافظ الأسد ، أو التي ظهرت بمباركته ( مع جماعات تنظيمية أخرى كانت تتعامل معها – الامن السياسي – وأمن الدولة – والمخابرات الجوية ) ، تتعرض الآن من دون استثناء الى هزات ، وتفجيرات تنظيمية من الداخل ، وانسحابات بالجملة والمفرق ، وقد يمكن اعتبار هذه الظاهرة ( لعنة منصورة ) ولكن لاشك هناك أسباب إضافية جوهرية تتعلق بالجوانب الفكرية ، والثقافية ، والسياسية ، وبالعوامل الذاتية والموضوعية ، الداخلية والخارجية ، تتطلب تغييرا جذريا في الحركة السياسية الكردية السورية ، حيث نتداولها منذ تسعة أعوام .
قد يتساءل البعض : ( وانتم بالاتحاد الشعبي – سابقا – ) تعرضتم الى الانشقاق والتفجير من الداخل ، والجواب هو نعم ولكن هناك اختلاف كبير بين ماتعرضنا له حينذاك فنظام الاستبداد من خلال – منصورة – وبتوجيه من القصر الجمهوري هو من تولى مهمة تخطيط ضرب حزبنا آنذاك ، اما الان فالانهيار يتعلق بمابناه ، او زكاه ، او شجعه ، او دعمه – منصورة – وهذه ضريبة التاريخ لامفر منها .
ظهرت مؤشرات انتهاء دور الأحزاب منذ عقود ، وكانت الهبة الدفاعية التي لم ترتقي الى درجة – انتفاضة – عام ٢٠٠٤ ، أي منذ اثنين وعشرين عاما بمثابة الناقوس المدوي لسقوط الحزب الكردي بمفهومه وطبيعته الراهنة ، وفي امتحان انطلاقة الثورة السورية ربيع ٢٠١١ أكمل الحزب الكردي انحداره مجددا ، وعلى امتداد الخمسة عشر عاما الأخيرة تحول عجز الأحزاب وافلاسها الفكري والسياسي الى مصدر لالحاق الضرر بالقضية الكردية ، فهي التي قزمت الشخصية الكردية السورية ، والحقت القضية بالمحاور الخارجية التي لاتعيش ظروف النهوض والتقدم على أي حال ، وكرست التبعية للمال السياسي .
لاتجعلوا الحزب بديلا للشعب والوطن
لقد حذرنا مبكرا ومنذ نحو عقد من حدوث الانهيار الراهن ، بل طرحنا مشروع الإنقاذ ، ودعونا الاخرين الى الحوار لبحث سبل العلاج الذي حددناه بتوفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع ، وفي حين لم تتجاوب الاحزاب مع مشروعنا السياسي المطروح ، بل تجاهلت كل المبادرات الحوارية التي اطلقناها وهي موثقة ، نرى البعض منها يحاول الالتفاف على مشروعنا ومحاولة تجاوزه نقول لهؤلاء ستفشلون في محاولتكم ، لان القضية أصبحت بين ايدي أصحابها من بنات وأبناء شعبنا ، ولم تعد حقيقة سقوط الحزب الكردي ، وضرورات التغيير ، وخيار المؤتمر الجامع يحتاج الى استبيانات ، او احكام عمومية ، فمهما حلق بعض الحزبيين عاليا يبقى مقياس المصداقية هو مدى بدئ كل من يدعي التغيير بحزبه أولا تقييما نقديا ، وكشفا للمستور ، وتشخيص مكامن الخلل والفساد ، ثم الانتقال الى الخطوة الأخرى وهي الحوار الجاد من اجل اختيار اللجنة التحضيرية للاعداد للمؤتمر الالانقاذي المنشود .