محمود أوسو
منذ سنوات، يقف إقليم كردستان في قلب صراعات إقليمية ومحلية متشابكة. فمن القصف الإيراني، إلى العمليات العسكرية التركية، مرورا بالأزمات مع بغداد، وصولا إلى الانقسامات الكردية الداخلية، يبدو الإقليم وكأنه يدفع ثمن موقعه الجغرافي وتجربته السياسية في آنٍ واحد.
يبقى السؤال: هل المشكلة في إقليم كردستان نفسه، أم أن نجاحه النسبي مقارنة ببقية العراق جعله هدفا لتقاطعات المصالح الإقليمية والداخلية؟
أربع جبهات تضغط على الإقليم
أولا: تركيا والهاجس الأمني
تعتبر أنقرة أن أي كيان كردي قوي ومستقر على حدودها يمثل تحديا لأمنها القومي. ومن هذا المنطلق تبرر عملياتها العسكرية داخل أراضي الإقليم بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK)، بينما تمتد تداعيات هذه العمليات إلى القرى والسكان المدنيين والاستقرار الاقتصادي.
ثانيا: إيران والصراع الإقليمي
تعلن طهران أن ضرباتها الصاروخية تستهدف مقرات تصفها بأنها أمنية أو استخباراتية، لكن النتائج غالبا ما تطال أراضي الإقليم واستقراره. وفي ظل التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة، يجد إقليم كردستان نفسه في كثير من الأحيان ساحة تتقاطع فيها صراعات لا يملك قرارها.
ثالثا: بغداد… أدوات السياسة بدل السلاح
الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لم تعد تقتصر على الملفات الدستورية، بل امتدت إلى الرواتب، والموازنة، وإدارة النفط، وقرارات المحكمة الاتحادية. ويرى كثيرون أن هذه الملفات تحولت إلى أدوات ضغط سياسية تؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطنين.
رابعا: الانقسام الكردي الداخلي
لا يمكن تجاهل أثر الخلافات بين القوى السياسية الكردية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. فوجود مؤسسات أمنية وإدارية ورؤى سياسية متباينة يضعف الموقف الكردي ويمنح الأطراف الأخرى فرصة أكبر للتأثير في مستقبل الإقليم.
ويبقى السؤال المطروح: هل الأولوية لبناء مؤسسات دولة قوية، أم لاستمرار إدارة المشهد بمنطق التنافس الحزبي؟
الشراكة مع المكونات… بين الحقوق والاستغلال السياسي
يعد إقليم كردستان من المناطق التي أقرت تمثيلا قانونيا للمكونات المختلفة، إذ خصص قانون انتخابات برلمان كردستان مقاعد كوتا للمكونات، منها خمسة مقاعد للمكون الآشوري، وخمسة للمكون التركماني، ومقعد واحد للمكون الأرمني.
وتبقى حقوق هذه المكونات جزءا من الدستور العراقي والنظام السياسي العام، سواء في بغداد أو في الإقليم. غير أن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتأليب المكونات ضد الإقليم أو توظيف مطالبها في صراعات خارجية، لأن المتضرر في النهاية هو التعايش المشترك.
الإيزيديون… مأساة وهوية
بعد كارثة سنجار عام 2014، برزت نقاشات حول الهوية القومية للإيزيديين، وهي نقاشات يحق لأصحابها طرحها بحرية. إلا أن تسييس هذا الملف وربطه بالصراعات الإقليمية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدل معالجة آثار الإبادة التي تعرض لها أبناء سنجار.
حزب العمال الكردستاني… بين القضية والتداعيات
يؤكد حزب العمال الكردستاني أنه يدافع عن الحقوق الكردية، إلا أن وجوده العسكري داخل أراضي الإقليم يوفر لأنقرة مبررا لمواصلة عملياتها العسكرية داخل العراق، وهو ما ينعكس على أمن القرى، وحياة المدنيين، وفرص الاستثمار والتنمية.
ويبقى التساؤل قائما: كيف يمكن حماية القضية الكردية دون أن يتحول الإقليم إلى ساحة صراع مفتوحة؟
من هو الخصم الحقيقي؟
ليس الآشوريون، ولا الإيزيديون، ولا التركمان أعداء للكرد، بل هم شركاء في هذا الوطن، ولهم حقوق يجب احترامها وصونها.
أما التحدي الحقيقي، فهو كل مشروع يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الإقليم، أو تعميق الانقسام الداخلي، أو تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
أربع ركائز لتعزيز الاستقرار
- توحيد البيت الكردي، عبر تعزيز وحدة المؤسسات الأمنية والإدارية والسياسية.
- ترسيخ الشراكة الحقيقية مع جميع المكونات، بما يضمن الحقوق بعيدا عن الاستغلال السياسي.
- تحييد الإقليم عن صراعات القوى الإقليمية والدولية، وعدم تحويل أراضيه إلى ساحة نزاع.
- بناء مؤسسات دولة قوية تقوم على القانون والخدمات والشفافية، بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة.
مشروع أم بناء؟
يطرح الاتحاد الوطني الكردستاني سؤالا مهما: هل نحمي مشروع كردستان أم نبني كردستان؟
والجواب أن الاثنين لا ينفصلان؛ فلا مشروع بلا بناء، ولا بناء بلا مشروع وطني موحد.
إقليم كردستان فيه أخطاء وفساد، ونقده واجب، لكن النقد يجب أن يكون من أجل الإصلاح لا الهدم، ومن أجل تقوية المؤسسات لا إضعافها. فالبديل عن الإصلاح ليس دولة أفضل، بل العودة إلى المربع الأول.
إن الأمانة التاريخية تفرض على جميع القوى السياسية، أن تضع مصلحة كردستان فوق المصالح الحزبية. فكل من يساهم في إضعاف الإقليم أو تعميق انقسامه، بقصد أو بغير قصد، يخدم المشاريع التي لا تريد لكردستان أن تكون قوية ومستقرة.