ماهين شيخاني
الاختبار الحقيقي ليس في الأشخاص… بل في الدستور الذي سيكتب مستقبل سوريا
مع انتخاب الدكتور عبد الحميد عكيل العواك رئيساً لمجلس الشعب السوري في المرحلة الانتقالية، عاد سؤال قديم ليفرض نفسه بقوة داخل الأوساط الكوردية: هل تتجه سوريا نحو عقد اجتماعي جديد يعترف بتعددها القومي، أم أننا أمام إعادة إنتاج للمركزية بأسماء مختلفة؟
هذا السؤال لا يرتبط بشخص رئيس المجلس وحده، بقدر ما يرتبط بالدور الذي سيؤديه البرلمان في رسم ملامح الدولة السورية المقبلة، ولا سيما في ملف الدستور، وتوزيع الصلاحيات، وشكل العلاقة بين المركز والمناطق.
القلق الكوردي… هل هو مشروع؟
لا يمكن تجاهل أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي الرسمي ما يزال يؤكد على مركزية الدولة ووحدة القرار في الملفات السيادية، مثل الجيش والسياسة الخارجية وإدارة الثروات الوطنية.
ومن حيث المبدأ، لا يعترض الكورد على وحدة الدولة، لكنهم يتساءلون عن شكل هذه الوحدة: هل ستكون وحدة تقوم على الشراكة الدستورية والاعتراف بالتعدد القومي، أم وحدة تعيد إنتاج المركزية التي عانوا منها لعقود؟
فالقضية الكوردية لم تكن يوماً قضية انفصال بقدر ما كانت قضية اعتراف دستوري بالهوية والحقوق، وضمان مشاركة حقيقية في إدارة الدولة.
السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها
في المقابل، لا يزال من المبكر إصدار أحكام نهائية.
فالمرحلة الانتقالية تفرض على جميع القوى السورية قدراً من البراغماتية والتوافق، كما أن أي سلطة تسعى إلى بناء شرعية داخلية وخارجية ستكون بحاجة إلى إشراك مختلف المكونات الوطنية، وفي مقدمتها المكون الكوردي.
ولهذا، فإن نجاح البرلمان لن يقاس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بقدرته على فتح حوار جاد مع القوى السياسية كافة، بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء.
الاختبار الحقيقي… الدستور
لن يكون المعيار الحقيقي هو هوية رئيس البرلمان، بل طبيعة الدستور الذي ستنتجه المرحلة الانتقالية.
فإذا نص الدستور على:
الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي في سوريا.
ضمان الحقوق اللغوية والثقافية لجميع المكونات.
توزيع عادل للصلاحيات بين المركز والإدارات المحلية.
مشاركة متوازنة في مؤسسات الدولة.
فإن ذلك سيشكل بداية مرحلة جديدة من الثقة الوطنية.
أما إذا اكتفى بإعادة إنتاج المركزية بصياغات مختلفة، فإن الأزمة السورية ستدخل دورة جديدة من عدم الاستقرار.
فرصة ينبغي ألا تُهدر
تمتلك السلطة الانتقالية فرصة تاريخية لإثبات أن سوريا الجديدة تختلف عن سوريا التي عرفها السوريون طوال العقود الماضية.
كما تمتلك القوى الكوردية مسؤولية موازية، تتمثل في توحيد رؤيتها السياسية، وتقديم مشروع وطني واضح، يقوم على الشراكة واللامركزية الدستورية، بعيداً عن الخطابات المتشنجة أو ردود الفعل الانفعالية.
الخاتمة
ليست القضية الكوردية اليوم أمام اختبار الأشخاص، بل أمام اختبار المؤسسات.
ورئيس البرلمان، مهما كانت توجهاته، لن يكون وحده من يحدد مستقبل البلاد، وإنما ستحدد ذلك طبيعة العقد الاجتماعي الجديد، ومدى قدرته على تحويل شعار “دولة المواطنة المتساوية” من خطاب سياسي إلى نصوص دستورية وضمانات قانونية قابلة للتطبيق.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل سيكون البرلمان الجديد نقطة انطلاق نحو دولة تعترف بجميع أبنائها، أم محطة أخرى في مسار إعادة إنتاج المركزية؟
فالإجابة لن تكتبها التصريحات، بل ستكتبها مواد الدستور، وممارسات الدولة، ومدى شعور كل مكون بأنه شريك كامل في مستقبل سوريا.
12/7/2026