د. محمود عباس
طرق أبواب حيتان الفساد في العراق ليست عملية سهلة ولا عابرة، فهي لا تعني فتح ملفات مالية فقط، بل تعني الاقتراب من بنية عميقة تشابكت فيها السلطة بالمال، والميليشيا بالحزب، والقرار الإداري بالولاء الخارجي. نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة، بل عن دولة مرّت عليها خلال عقد واحد ثروة تكفي لإعادة بناء العراق أكثر من مرة. بين عامي 2015 و2025 بلغ الناتج المحلي المتراكم للعراق نحو 2.46 تريليون دولار، واقتربت إيرادات الدولة خلال الفترة نفسها من حدود 900 مليار إلى قرابة تريليون دولار. ومع ذلك، لم يتحول من هذه الدورة الاقتصادية الهائلة، ولا من هذه الإيرادات العامة، إلا جزء محدود إلى بناء حقيقي؛ بينما ابتلعت البقية أبواب التشغيل الريعي، والمحاصصة، والعقود المتضخمة، والرواتب الحزبية، والمشاريع الوهمية، والمصارف، وشبكات الولاء السياسي والميليشياوي. وما وصل إلى المواطن كان الفتات: كهرباء ناقصة، ماء ملوث، مدارس متهالكة، مستشفيات عاجزة، ومدن غارقة في البطالة والغبار والمولدات. ومن صلب هذه المنظومة نفسها جاءت أزمات خنق إقليم كوردستان الفيدرالي، وتأخير رواتب موظفيه لشهور، وتحويل قوت الناس إلى ورقة ضغط سياسية ومالية. هنا لا يكون الفساد مجرد سرقة مال، بل سرقة وطن كامل من مستقبله.
هذه الحيتان لا تقف وحدها، بل تحيط بها جيوش من المرتزقة، وشبكات سياسية وإعلامية وإدارية، وفصائل مسلحة شاركت، بدرجات مختلفة، في نهب العراق وإضعاف دولته وتحويل ثروته الوطنية إلى غنائم موزعة بين المتنفذين وأتباعهم.
هؤلاء لم ينهبوا المال فقط، بل نهبوا معنى الدولة. فمنذ سنوات ما بعد سقوط النظام السابق، تشكلت في العراق طبقة سياسية ـ مالية ضخمة، تدور في فضائها أسماء وقوى معروفة، من نوري المالكي، وهادي العامري، وقيس الخزعلي، وفالح الفياض، وعمار الحكيم، ومقتدى الصدر، وخميس الخنجر، ومحمد الحلبوسي، إلى شخصيات برلمانية وإعلامية عاشت على حواف هذه المنظومة أو اقتسمت مكاسبها السياسية، ومن بينها حنان الفتلاوي وأمثالها ممن تحولوا إلى أبواق دفاع عن محاور النفوذ لا عن الشعب العراقي. ولا يعني ذكر هذه الأسماء إصدار حكم قضائي واحد عليهم، بل التذكير بأن المشهد العراقي لا يمكن فهمه من دون القوى والشخصيات التي صنعت النظام الحالي أو استفادت من بقائه.
لم تعد أسماء مثل نوري المالكي، هادي العامري، قيس الخزعلي، فالح الفياض، عمار الحكيم، مقتدى الصدر، محمد الحلبوسي، خميس الخنجر، وحنان الفتلاوي، مجرد أسماء في نشرات الأخبار أو واجهات عابرة في السياسة العراقية، بل تحولت، بدرجات مختلفة، إلى مفاتيح لا يمكن تجاوزها في قراءة عراق ما بعد 2003: عراق المحاصصة، والسلاح الموازي، والبرلمان المخطوف، والوزارات الموزعة كغنائم، والمال العام الذي صار خزّانًا للأحزاب والميليشيات وشبكات الولاء. بعض هذه الأسماء تحيط به وثائق عقوبات دولية، وبعضها تحيط به ملفات سياسية وقضائية، وبعضها لا يحتاج إلى حكم محكمة كي يُقرأ دوره في حماية المنظومة أو تبريرها أو الانتفاع من بقائها.
لهذا، فإن الاقتراب من مخازن الأموال المنهوبة لا يمر عبر باب واحد، بل عبر جدران متعددة: جدار سياسي، وجدار عسكري، وجدار قضائي، وجدار إداري، وجدار ميليشياوي. كل خطوة ضد الفساد تحتاج إلى خطة واسعة ومتشعبة، وإلى دعم داخلي وخارجي، لأن من يواجه الفساد في العراق لا يواجه لصوصًا أفرادًا، بل يواجه دولة داخل الدولة، لها سلاحها، ومالها، وإعلامها، وكتلها البرلمانية، وضباطها، وقضاتها، وموظفوها.
ومن هنا تأتي خطورة ما يحاول رئيس الوزراء علي الزيدي القيام به، إذا صح أن خطته تستهدف أولًا تفكيك الفصائل المسلحة التي تحكمها أو تحتمي بها حيتان الفساد. فتسليم السلاح إلى القوات المسلحة العراقية لن يكون نهاية المعركة، بل بدايتها فقط؛ لأن القوات نفسها مخترقة، وفيها قادة وضباط لا يتلقون أوامرهم من وزير الدفاع أو رئيس الوزراء بقدر ما يتلقونها من زعماء الأحزاب والميليشيات ومراكز النفوذ المرتبطة بإيران أو بشبكات الفساد الداخلية. لذلك، فإن حل الفصائل لا يكفي ما لم تلحقه عملية تطهير واسعة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية نفسها.
أما الزيارة المتوقعة لعلي الزيدي إلى واشنطن، فهي ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تبدو من صلب ما يجري في العراق. فالمعركة ضد الفصائل وحيتان الفساد لا يمكن أن تُدار بمعزل عن الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي والسياسي الخارجي، خاصة إذا كان الهدف الحقيقي هو تقليص نفوذ إيران وأدواتها داخل الدولة العراقية. فالزيدي ما كان ليستطيع الاقتراب من هذه الملفات لولا شعوره بأن هناك توازنًا جديدًا يتشكل، وأن لديه غطاءً داخليًا وخارجيًا يسمح له بخوض مواجهة كان كثيرون قبله يتجنبونها.
لقد أغرقت إيران العراق في مسارين خطيرين: الأول هو تقزيم الدولة في مستنقع الفساد والنهب وتعطيل مشاريع البناء والتنمية، كي يبقى العراق ضعيفًا وتابعًا لأدواتها في الداخل. والثاني هو تقوية الفصائل والمنظمات المسلحة التابعة لها، بحيث تصبح الدولة نفسها رهينة للسلاح الموازي، ويصبح الشعب العراقي أسيرًا بين فقره وخوفه وولاءات حكامه. فالعراق القوي، لو استعاد سيادته، سيقف حتمًا في وجه أدوات إيران، ولن يسمح بسرقة ملياراته أو تحويل قراره الوطني إلى ملحق بمصالح طهران.
لذلك، حين دفعت واشنطن باتجاه قبول علي الزيدي رئيسًا للوزراء، تحت غطاء التوافق السياسي، فإنها لم تكن تتحرك عبثًا. كانت، على الأرجح، تضع جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة إيران وأدواتها في الشرق الأوسط، ليس بالسلاح وحده، بل أيضًا بالسياسة، والاستخبارات، والإدارة، والاقتصاد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فالغاية ليست فقط إضعاف الفصائل، بل إنقاذ العراق من قبضة إيران، وإعادته إلى موقع الدولة القادرة على اتخاذ قرارها بنفسها.
ومع ذلك، لا أستبعد أن يتم تأجيل فتح ملفات الحيتان الكبرى إلى ما بعد انتهاء المرحلة الحالية؛ فالمعركة لا يمكن خوضها دفعة واحدة. قد تبدأ بالفصائل، ثم تمتد إلى شبكات المال، ثم إلى المصارف، ثم إلى العقارات، ثم إلى الأموال المهربة والمخبأة في مؤسسات مالية عالمية وبأسماء وهمية. والمعنيون بالأمر يعرفون جيدًا أن دورهم آتٍ، لذلك سيلجؤون إلى كل الأساليب: تأييد علني لعملية الفجر، دعم لفظي لرئيس الوزراء، تحريض خفي للفصائل على عدم تسليم السلاح، إطلاق حملات إعلامية تزعم أن العملية تستهدف طرفًا دون آخر، والادعاء بأن الزيدي يريد إسقاط جماعة ليضع جماعته مكانها.
لكن كل ما يجري حتى الآن لا يزال بداية بسيطة أمام اللحظة الأخطر: لحظة الاقتراب من مكاتب وبيوت الحيتان الكبار، رؤساء القوى السياسية الذين يملكون كتلًا برلمانية، وأذرعًا عسكرية، وشبكات مالية، ونفوذًا داخل القضاء والإدارة. عندها قد لا تبقى المواجهة سياسية فقط، بل قد يدخل العراق في صراع داخلي خطير، وربما عسكري، لأن من اعتاد حكم الدولة من خارجها لن يسلم مفاتيحه بسهولة.
ومع ذلك، فإن مصالح الولايات المتحدة وأمنها، وأمن الخليج، والأمن الإسرائيلي، كلها تجعل هذه المواجهة جزءًا من معركة أوسع ضد إيران وأذرعها. فالعراق إذا بقي مخطوفًا بيد الفصائل، سيكون خطرًا لا يقل عن خطر إيران نفسها، وربما أخطر؛ لأن قوته البشرية والجغرافية والاقتصادية، إذا وُضعت في خدمة الميليشيات، قد تتحول إلى سلاح إقليمي هائل.
ويبقى السؤال الكبير: هل ستنجح أمريكا، ومعها علي الزيدي، في إنقاذ العراق من براثن إيران وميليشياتها، ومن الفصائل العراقية اسمًا والإيرانية فعلًا؟ أم أن هذه المعركة ستنتهي بتراجع جديد أمام الدولة العميقة للفساد والسلاح؟ إن خسارة هذه المواجهة في العراق لن تكون خسارة لحكومة واحدة، بل خسارة أمريكية في واحدة من أخطر الجبهات وأصعب المعارك مع إيران.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/7/2026 م