بين الشرعية والتمثيل…هل يستطيع مجلس الشعب السوري أن يكتب دستوراً لكل السوريين؟

ماهين شيخاني

ليست قيمة أي برلمان بعدد أعضائه، ولا بجمال النصوص الدستورية التي تحدد صلاحياته، بل بقدرته على تمثيل المجتمع تمثيلاً حقيقياً، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية باستقلالية كاملة. فالبرلمان الذي لا يعكس التنوع الوطني، ولا يستطيع مساءلة الحكومة، يتحول إلى مؤسسة شكلية تمنح الشرعية للسلطة أكثر مما تمنح الشعب صوتاً حقيقياً.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في سوريا: هل يستطيع مجلس الشعب أن يكون مؤسسة تأسيسية تكتب دستوراً جديداً لكل السوريين، أم أنه سيبقى امتداداً لمنظومة القرار التنفيذي كما كان الحال طوال العقود الماضية؟

بين النص الدستوري والواقع السياسي

من الناحية الدستورية، يتمتع مجلس الشعب بصلاحيات واسعة. فهو الجهة المخولة بإقرار القوانين، وإقرار الموازنة العامة، ومنح الثقة للحكومة أو حجبها، ومساءلة الوزراء، والمصادقة على الاتفاقيات الدولية، فضلاً عن امتلاكه سلطة المشاركة في تعديل الدستور.

هذه الصلاحيات، في أي نظام ديمقراطي، تجعل البرلمان مركز الثقل في الحياة السياسية.

لكن التجربة السورية أثبتت أن المشكلة لم تكن يوماً في النصوص، بل في طريقة تطبيقها. فالدساتير السابقة منحت البرلمان صلاحيات واسعة على الورق، بينما بقي القرار الحقيقي بيد السلطة التنفيذية، الأمر الذي جعل المجلس أقرب إلى مؤسسة تصادق على القرارات أكثر من كونه سلطة تراقبها أو تحاسبها.

التمثيل الكوردي… بين الحضور والفاعلية

ينطبق هذا الإشكال أيضاً على التمثيل الكوردي داخل المجلس.

فوجود نحو أحد عشر نائباً كوردياً في مجلس يضم أكثر من مئتي عضو لا يعكس الوزن الديموغرافي والسياسي للكورد، الذين تُقدَّر نسبتهم بما بين 15 و20 بالمئة من سكان سوريا وفق تقديرات متعددة.

غير أن الإشكالية لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بكيفية الوصول إلى البرلمان.

فالاعتماد على هيئات انتخابية وآليات يصفها كثير من المعارضين بأنها غير تنافسية، يثير تساؤلات حول مدى استقلالية النواب، وقدرتهم على تمثيل ناخبيهم بحرية، بعيداً عن تأثير السلطة التنفيذية.

ولهذا أعلنت أحزاب وحركات كوردية عديدة رفضها لهذه الآليات، معتبرة أن التمثيل الحقيقي لا يتحقق بمجرد تخصيص مقاعد، وإنما عبر انتخابات حرة تضمن المشاركة المتساوية لجميع السوريين.

البرلمان والدستور الجديد

إذا كانت سوريا تتجه فعلاً نحو مرحلة سياسية جديدة، فإن صياغة الدستور ستكون الاختبار الأهم.

ولا يمكن لدستور أن يؤسس لاستقرار دائم إذا كُتب بمعزل عن المكونات الوطنية الأساسية.

فالدستور ليس قانوناً عادياً، بل هو العقد الاجتماعي الذي يحدد شكل الدولة، ويضمن حقوق المواطنين، وينظم العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الأغلبية والأقليات، وبين السلطة والحرية.

ولهذا فإن أي عملية دستورية لا تقوم على مشاركة فعلية للكورد، إلى جانب العرب والسريان والآشوريين والتركمان وسائر المكونات السورية، ستبقى عملية ناقصة، مهما بلغت دقتها القانونية.

التحدي الحقيقي

لا تكمن قوة النواب الكورد في عددهم فقط، وإنما في قدرتهم على تجاوز الانقسامات السياسية، وبناء موقف موحد تجاه القضايا الدستورية الكبرى.

كما أن نجاحهم يرتبط ببناء تحالفات وطنية مع القوى المؤمنة بدولة المواطنة، لأن قضية التمثيل العادل ليست مطلباً كوردياً فحسب، بل شرط أساسي لنجاح أي انتقال سياسي في سوريا.

فالدولة التي تعجز عن تمثيل تنوعها، تعجز في النهاية عن حماية وحدتها.

الخاتمة

يبقى السؤال معلقاً أمام السوريين جميعاً:

هل سيكون مجلس الشعب بداية لمرحلة تؤسس لدولة القانون والمواطنة، أم مجرد مؤسسة جديدة تعيد إنتاج المركزية القديمة بأدوات مختلفة؟

إن مستقبل سوريا لن يُقاس بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا المكون أو ذاك، بل بقدرة الدولة على الاعتراف بتنوعها، واحترام مبدأ الشراكة الوطنية، وضمان أن يكون البرلمان ممثلاً حقيقياً للشعب لا انعكاساً لإرادة السلطة.

فالدساتير تُكتب بالأقلام، لكنها لا تكتسب شرعيتها إلا عندما يشعر جميع المواطنين أنهم شركاء في صياغتها، لا مجرد متلقين لنتائجها.

1/7/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي