د. عدنان بوزان
إنَّ أي رؤيةٍ سياسيةٍ تتطلع إلى بناء مستقبلٍ مستقرٍّ لسوريا لا يمكن أن تنطلق من إقصاء أي مكونٍ من مكوناتها، ولا من اختزال الدولة في هويةٍ واحدة، أو ثقافةٍ واحدة، أو سرديةٍ تاريخيةٍ واحدة. فالدول الحديثة لم تعد تقاس بقدرتها على فرض التجانس القسري، بل بقدرتها على إدارة التنوع وتحويله إلى مصدرٍ للقوة والاستقرار. وانطلاقاً من ذلك، فإن الرؤية السياسية التي تنطلق من مصالح أبناء الشعب الكوردي في إطارٍ وطني سوري جامع لا تعبِر عن مشروعٍ خاص أو رؤيةٍ انعزالية، بل تمثل محاولةً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.
لقد أثبتت التجارب السياسية المعاصرة أن تجاهل حقوق المكونات القومية والثقافية لا يؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وإنما يفضي إلى تعميق الانقسامات وإنتاج أزماتٍ متكررة. فالوحدة الوطنية ليست نتاج القوة، وإنما ثمرة الرضا السياسي، وليست نتيجة الإكراه، بل ثمرة عقدٍ اجتماعي يشعر في ظله جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في وطنهم ودولتهم ومستقبلهم. وعندما يشعر أي مكونٍ بأنه جزءٌ أصيلٌ من النظام السياسي، تصبح الدولة بالنسبة إليه إطاراً للانتماء والحماية، لا سلطةً تفرض عليه من الخارج.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى مصالح أبناء الشعب الكوردي بوصفها مصالح منفصلة عن المصلحة الوطنية السورية، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً منها. فاستقرار المناطق ذات الغالبية الكوردية، وتنميتها، وضمان حقوق سكانها، وتعزيز مشاركتهم السياسية، كلها عوامل تسهم في ترسيخ الاستقرار الوطني، لأن أمن أي منطقة يرتبط عضوياً بأمن بقية المناطق، كما أن ازدهار أي جزء من المجتمع ينعكس إيجاباً على المجتمع السوري بأسره.
إن الرؤية السياسية الوطنية لا تبنى على منطق الغالب والمغلوب، ولا على عقلية المنتصر والمهزوم، وإنما تقوم على مبدأ الشراكة الوطنية المتوازنة. فالدولة التي تدار بعقلية الاحتكار والإقصاء تعجز عن إنتاج سلامٍ مستدام، بينما تمتلك الدولة التي تقوم على التوافق والشراكة بين مكوناتها فرصاً أكبر لتحقيق الاستقرار والتنمية. ولذلك، فإن بناء سوريا الجديدة يتطلب الانتقال من نموذج الدولة المركزية شديدة التركيز، التي تحتكر القرار السياسي والإداري والثقافي، إلى دولةٍ وطنيةٍ ديمقراطية تستوعب جميع مكوناتها ضمن مؤسساتٍ دستوريةٍ عادلة، تكفل المساواة في الحقوق والواجبات.
ولا يمكن لأي مشروعٍ سياسي أن ينجح إذا تجاهل حقيقة أن المجتمع السوري يتميز بتعدد قومياته وثقافاته ولغاته وأديانه. وهذه الحقيقة ليست مشكلةً ينبغي تجاوزها، بل هي واقعٌ تاريخي واجتماعي ينبغي تنظيمه سياسياً ودستورياً بما يعزز وحدة الدولة ويصون تنوعها. فالتعددية ليست نقيضاً للوحدة الوطنية، بل قد تكون أحد أهم شروط ترسيخها عندما تدار في إطار سيادة القانون، والمساواة، والاعتراف المتبادل.
وتتمثل المصالح السياسية للشعب الكوردي، في جوهرها، في بناء دولةٍ تضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز، وتحترم الخصوصيات القومية والثقافية واللغوية، وتكفل المشاركة المتساوية في صنع القرار الوطني. وهذه المطالب ليست مطالباً تخص الكورد وحدهم، وإنما تمثل جزءاً من منظومة الحقوق الديمقراطية التي ينبغي أن يتمتع بها جميع المواطنين، لأنها تؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون.
لقد أظهرت التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية أن الأنظمة التي اعتمدت سياسات الإنكار والإقصاء السياسي والثقافي لم تتمكن من إنتاج الاستقرار، لأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، وإنما يقوم على الشرعية السياسية التي تنبع من قبول المواطنين بالدولة بوصفها ممثلةً لجميع أبنائها دون استثناء. وكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية، تراجعت احتمالات الصراع، وتعززت فرص التوافق الوطني.
إن الرؤية الوطنية الجامعة تقتضي تجاوز الخطابات التي تصنف المواطنين وفق منطق الأكثرية والأقلية، أو وفق درجاتٍ متفاوتة من الانتماء الوطني. فالدولة الحديثة لا تعرف مواطنين من درجات مختلفة، وإنما تقوم على مبدأ المساواة الكاملة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. ومن ثم، فإن الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي لا ينتقص من وحدة الدولة، بل يمنحها شرعيةً أوسع وقدرةً أكبر على تمثيل مجتمعها الحقيقي.
كما أن معالجة القضية الكوردية في سوريا لا ينبغي أن تختزل في بعدها الأمني أو الإداري، وإنما ينبغي النظر إليها بوصفها قضيةً سياسيةً ودستوريةً ترتبط بطبيعة الدولة نفسها وبكيفية تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع. فكلما كانت بنية الدولة أكثر قدرةً على استيعاب التنوع، أصبحت القضايا القومية جزءاً من الحياة السياسية الطبيعية، ولم تعد مصدراً دائماً للأزمات.
وتقوم هذه الرؤية على قناعةٍ راسخة بأن بناء دولة المواطنة لا يتعارض مع الحفاظ على الخصوصيات القومية والثقافية واللغوية، بل إن المواطنة المتساوية تصبح أكثر رسوخاً عندما يشعر المواطن بأن هويته محترمة ومصونة بالقانون. فالإنسان لا يضطر إلى الاختيار بين انتمائه القومي وانتمائه الوطني إذا كانت الدولة تعترف بكليهما ضمن إطارٍ دستوري متوازن.
وفي هذا السياق، تصبح التنمية الاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من المشروع الوطني. فلا يمكن الحديث عن شراكةٍ سياسيةٍ حقيقية في ظل تفاوتٍ كبير في مستويات التنمية بين المناطق. إن تحقيق العدالة في توزيع الموارد، وتحسين البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتشجيع الاستثمار، كلها عناصر تعزز الانتماء الوطني، لأن المواطن يقيس قيمة الدولة أيضاً بقدرتها على تحسين مستوى حياته وضمان مستقبل أبنائه.
كما أن المشاركة السياسية الحقيقية تتطلب مؤسساتٍ منتخبة تتمتع بصلاحياتٍ واضحة، وآلياتٍ فعالة للمساءلة، وقضاءً مستقلاً، وإعلاماً حراً، واحتراماً لدور المجتمع المدني. فالديمقراطية ليست مجرد انتخاباتٍ دورية، وإنما منظومةٌ متكاملة من المؤسسات والضمانات الدستورية التي تمنع احتكار السلطة، وتكفل تداولها سلمياً وفق أحكام القانون.
وتبرز أهمية الحوار الوطني بوصفه الوسيلة الأكثر فاعلية لبناء التوافقات الضرورية. فالقضايا المتعلقة بالدستور، وشكل الدولة، والإدارة المحلية، والحقوق الثقافية واللغوية، تحتاج إلى حوارٍ مسؤول يستند إلى المصالح الوطنية المشتركة، بعيداً عن منطق التخوين أو الإقصاء أو فرض الإرادات. فكلما اتسعت مساحة الحوار، ازدادت فرص الوصول إلى حلولٍ مستدامة تحظى بقبول مختلف الأطراف.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن محيطها الإقليمي والدولي، إذ إن استقرار سوريا يشكل، في المقام الأول، مصلحةً وطنيةً للسوريين جميعاً، كما يمثل مصلحةً إقليميةً ودولية. غير أن نجاح أي تسوية سياسية يبقى مرهوناً بقدرة السوريين أنفسهم على بناء عقدٍ اجتماعي جديد يعكس واقع مجتمعهم، ويستجيب لتطلعات جميع مكوناته، بعيداً عن الهيمنة والإقصاء.
إن الهوية الوطنية السورية لا ينبغي أن تبنى على نفي الهويات الفرعية أو تذويبها، وإنما على احتضانها ضمن إطارٍ وطني جامع. فالهوية الوطنية الناجحة هي التي تمكن كل مكون من أن يرى نفسه ممثلاً فيها، دون أن يتخلى عن خصوصيته القومية أو الثقافية أو اللغوية. وبهذا المعنى، تصبح الهوية الوطنية إطاراً جامعاً للتنوع، لا بديلاً عنه.
ومن الناحية الفكرية والسياسية، فإن الدولة التي تعترف بتعدد مكوناتها تمتلك قدرةً أكبر على ترسيخ الولاء الوطني، لأن الولاء لا يفرض بالقوانين وحدها، وإنما ينشأ من شعور المواطنين بالعدالة والمساواة والكرامة. وكلما شعر المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه وتحترم هويته وتصون كرامته، ازداد ارتباطه بها واستعداده للمساهمة في بنائها والدفاع عنها.
وفي المقابل، فإن استمرار سياسات الإنكار أو التهميش أو احتكار السلطة يحمل مخاطر إعادة إنتاج الأزمات، لأن جذور المشكلات السياسية لا تزول بمجرد توقف الصراعات، بل تحتاج إلى إصلاحاتٍ دستوريةٍ ومؤسساتيةٍ عميقة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لعلاقةٍ جديدة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.
إن الرؤية السياسية التي تنطلق من مصالح أبناء الشعب الكوردي في إطارٍ وطنيٍّ سوريٍّ جامع لا تقوم على إقامة ثنائيةٍ متعارضة بين الهوية الكوردية والهوية السورية، وإنما تنطلق من مبدأ التكامل بينهما. فالمواطن الكوردي يستطيع أن يكون معتزاً بانتمائه القومي، وفي الوقت نفسه شريكاً كاملاً في بناء دولةٍ سوريةٍ ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام التنوع. وهذا التكامل هو الذي يحول التنوع من مصدرٍ للتوتر إلى ركيزةٍ للاستقرار والتنمية.
وفي الختام، فإن مستقبل سوريا لن يتحدد بقدرة أي طرف على فرض رؤيته منفرداً، ولا بميزان القوة بين المكونات، وإنما بقدرة جميع السوريين على إعادة صياغة عقدهم الاجتماعي على أسسٍ جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية. فالدولة التي تبنى على الإقصاء، مهما امتلكت من أدوات القوة، تظل دولةً هشة، بينما الدولة التي تقوم على التوافق الطوعي والعدالة والمساواة تمتلك عناصر الاستقرار والاستمرارية.
وعندما تصبح العدالة أساس الحكم، والمواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، والتعددية أساس الهوية الوطنية، فإن المجال السياسي يتحول من ساحة صراع إلى فضاء شراكة، ومن منطق الغلبة إلى منطق التوافق. وعندها فقط، تغدو مصالح أبناء الشعب الكوردي جزءاً طبيعياً من المصلحة الوطنية السورية الشاملة، لا باعتبارها حالة استثنائية أو مطلباً خاصاً يحتاج إلى تبرير، بل بوصفها تعبيراً مشروعاً عن حقوق مواطنة متساوية داخل دولة جامعة.
وبهذا المعنى، فإن بناء سوريا الحديثة لا يقوم على إنكار التنوع أو تذويبه، بل على تنظيمه دستورياً وسياسياً بما يضمن لكل مكون مكانه ودوره. وهكذا تتحول الشراكة الوطنية من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية فعلية، تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح الطريق أمام مستقبلٍ أكثر استقراراً وعدلاً وتوازناً، دولة تستمد قوتها من تنوعها، وشرعيتها من مواطنيها، واستقرارها من إرادتهم الحرة المشتركة.