مسرحية جديدة أم تفاهم سياسي؟ قراءة في كواليس التمثيل الكوردي 

عبد الرحمن حبش
بحسب قراءتي لتطورات المشهد السوري فإن ما يجري اليوم يتجاوز الخلافات المعلنة بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي في سوريا. وأعتقد أن هناك تفاهمات جرت بين الإدارة الذاتية وحكومة أحمد الشرع بشأن توزيع المقاعد التي سيتم تعيينها ضمن الثلث الذي يعود لرئيس المرحلة الانتقالية.. 
ما يجري اليوم لا يبدو مجرد تباين سياسي بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي في سوريا بل أقرب إلى مشهد سياسي مرسوم بعناية تخفي وراءه تفاهمات غير معلنة بين الإدارة الذاتية وحكومة أحمد الشرع بينما ينشغل المجلس الوطني الكردي بسجالات إعلامية قد تكون بعيدة عن جوهر ما يحدث على الأرض.
مع اقتراب إعلان أحمد الشرع تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب السوري وهي الصلاحية التي يحتفظ بها رئيس المرحلة الانتقالية تتزايد المؤشرات على وجود تفاهم يمنح الإدارة الذاتية الدور الأساسي في تسمية ممثلي المناطق الكوردية مثل عفرين وكوباني وقامشلو والحسكة. ولن يكون هؤلاء ممثلين تحت اسم أحزاب الإدارة الذاتية بل سيقدمون للرأي العام بصفة مستقلين بينما يعرف الجميع أنهم محسوبون سياسيا على قوى الإدارة الذاتية.
ومن هنا يمكن قراءة الاجتماع الأخير الذي عقدته أحزاب الإدارة الذاتية تحت عنوان إعادة تفعيل وحدة الصف الكوردي بصورة مختلفة. فبعيدا عن الشعارات المعلنة يبدو أن الهدف الحقيقي لم يكن البحث عن موقف كوردي موحد بقدر ما كان ترتيب آلية توزيع حصص التمثيل في مجلس الشعب وفق تفاهمات جرت مع دمشق. ويعزز هذا الانطباع غياب أحزاب المجلس الوطني الكردي وبقية الأحزاب الخارج الإطارين عن الاجتماع وعدم إبلاغها به وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول حقيقة ما دار خلف الأبواب المغلقة.
وفي السياق نفسه لا يمكن تجاهل التوقيت المتزامن بين ثلاثة أحداث لافتة وهي قرب إعلان تعيين أعضاء مجلس الشعب وانعقاد اجتماع أحزاب الإدارة الذاتية ثم انسحاب ثلاثة قياديين بارزين من قيادة حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا يكيتي. وعندما توضع هذه التطورات في إطار زمني واحد فإنها تفتح الباب أمام قراءات سياسية تتجاوز فكرة المصادفة وتدفع إلى الاعتقاد بأن هناك إعادة ترتيب للمشهد استعدادا للمرحلة المقبلة.
أما بيان المجلس الوطني الكردي الذي جاء ردا على الإدارة الذاتية فأرى أنه لم يحقق الغاية التي صدر من أجلها بل منح الإدارة الذاتية فرصة إضافية لتعزيز موقفها. فالبيان استند إلى وثيقة مؤتمر قامشلو التي تحدثت عن وحدة الجغرافيا الكوردية واللامركزية السياسية في سوريا وهي مطالب ترفضها حكومة دمشق كما تتحفظ عليها تركيا ولا تبدو الولايات المتحدة متحمسة للدفع بها في هذه المرحلة. وبذلك وجد حزب الاتحاد الديمقراطي نفسه في موقع المستفيد إذ بدا وكأن المجلس الوطني يمنحه غطاء سياسيا إضافيا في مواجهة دمشق والرأي العام.
ولا ينبغي أن ننسى أن رد فعل أحمد الشرع على مؤتمر قامشلو كان واضحا منذ اللحظة الأولى عندما أعلن رفضه الاعتراف بمخرجات المؤتمر كما صدر موقف تركي رافض على لسان وزير الخارجية التركي. لذلك فإن إعادة التمسك بهذه الوثيقة في هذا التوقيت قد تخدم الإدارة الذاتية أكثر مما تضغط عليها.
من وجهة نظري فإن ما يجري اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة بل حلقات في مشهد سياسي واحد يجري فيه توزيع الأدوار بعناية بينما تبقى التفاهمات الحقيقية بعيدة عن الأضواء. وإذا صحت هذه القراءة فإن الحديث عن وحدة الصف الكوردي ليس سوى عنوان إعلامي يخفي وراءه مفاوضات تتعلق بتقاسم الحصص والتمثيل داخل مؤسسات المرحلة الجديدة في سوريا.
هذا التحليل يعبر عن قراءة سياسية تستند إلى متابعة تسلسل الأحداث وربط معطياتها فالأيام المقبلة وحدها ستكشف مدى صحة هذه المؤشرات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عصمت شاهين الوسكي   « الدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ تُبْنَى بِالْعَدْلِ وَالْإِنْسَانِ، لَا بِالْقُصُورِ وَالْجُدْرَانِ. » «عِنْدَمَا يَفْقِدُ الْوَطَنُ السِّيَادَةَ ، يَبْقَى عَلَمُهُ مَرْفُوعًا وَتَبْقَى دَوْلَتُهُ كَرْتُونِيَّةً.»   فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ تَوَالَتِ الْحُرُوبُ وَالْخَرَابُ وَالدَّمَارُ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالدُّوَلُ الْقَوِيَّةُ اسْتَغَلَّتِ الْوَضْعَ حَسَبَ مَصَالِحِهَا، فَاسْتَعْمَلَتِ الْمَقُولَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْمُعَاصِرَةَ: «فَرِّقْ تَسُدْ»، فَتَعَدَّدَتْ دُوَلٌ كَثِيرَةٌ، وَأَصْبَحَ لَهَا عَلَمٌ وَنَشِيدٌ وَطَنِيٌّ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، لَوْ…

د. عدنان بوزان إنَّ أي رؤيةٍ سياسيةٍ تتطلع إلى بناء مستقبلٍ مستقرٍّ لسوريا لا يمكن أن تنطلق من إقصاء أي مكونٍ من مكوناتها، ولا من اختزال الدولة في هويةٍ واحدة، أو ثقافةٍ واحدة، أو سرديةٍ تاريخيةٍ واحدة. فالدول الحديثة لم تعد تقاس بقدرتها على فرض التجانس القسري، بل بقدرتها على إدارة التنوع وتحويله إلى مصدرٍ للقوة والاستقرار. وانطلاقاً من…

ماجد ع محمد   “لا يمكنك أن تكره الآخرين دون أن تكره نفسك” أوبرا وينفري   فور تتويج الملاكم عكيد كابايل بطلًا للعالم في الوزن الثقيل، بدلًا من أن أنطرب بالخبر وأتفاعل مع نبأ فوز كابايل باللقب، رحت أمرِّر من أمام نواظري ملامح الذين يغمهم هكذا خبر، ليس لأن البطل فاز على بطل من أبطالهم، ولا لأن الغالِب انتزع اللقب…

خالد حسو   عندما تختار الشعوب أسماء قادتها ورموزها التاريخية لتطلقها على مؤسساتها ومشاريعها، فهي لا تختار مجرد أسماء، بل تختار المعاني والرسائل التي تريد أن تبقى في الذاكرة. فالأسماء الكبرى تحمل معها تاريخًا وتجارب ومواقف، ولهذا فإن طريقة تخليدها تصبح بحد ذاتها موضوعًا للنقاش. وفي المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا، تزداد أهمية هذا النقاش، لأن الرمز الوطني الجامع يجب أن…