متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ (2/3)

د. محمود عباس

تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية

فالقراءة التي نرجّحها في سياق القصيدة هي «بكُرد» لا «بترك»، لأن بنية الحدث ومجاله الساساني ـ الفهلوي ـ الزاغروسي تجعل الحضور الكوردي طبيعيًا وفاعلًا في هذه الجغرافيا الجبلية والحدودية، بينما لا تساعد معطيات الزمن والجغرافيا على افتراض حضور تركي سياسي أو ديمغرافي في هذا الموضع من المجال الساساني في القرن السادس الميلادي.

أما بقية المقطوعة، فإنها تمضي في سياق وعظي أوسع عن تقلّب الدهر وزوال الملوك والدول، وهو سياق مهم من الناحية الأدبية، لكنه لا يضيف شيئًا مباشرًا إلى موضع الإشكال الذي نناقشه هنا.

ولكي تتضح الإشكالية، يكفي أن نضع الصيغتين المتقابلتين أمام القارئ. ففي الرواية التي أثبتها البحتري نقرأ: «صرعن قُباذًا ربّ فارس كلها»، و«وجئن بترك من قرار بلادهم». أما الصيغة الأساسية قبل أن تعبث بها الرواية المتأخرة، فهي: «صرعن قُباذًا ربّ ملك ساسان»، و«وجئن بكُرد من قرار بلادهم»، وهي الصيغة المنسجمة مع زمن عدي بن زيد، وصلته بالحيرة والبلاط الساساني، ومع المجال الزاغروسي–الكوردستاني للحدث. ولا نورد هذه القراءة عبثًا بالنص، بل ردًّا له إلى سياقه الذي شوّهته الذاكرة اللاحقة حين اختزلت ساسان في فارس، وأزاحت الكورد إلى الترك.

وتؤيد ذلك نصوص عدي نفسه، فهو في موضع آخر يقول: «أين كسرى، كسرى الملوك، أبو ساسان / أم أين قبله سابور؟»؛ أي إنه يستحضر ساسان مباشرة، ويربط كسرى بالبيت الساساني، ولا يذيب هذا العالم كله في اسم «فارس». فإذا كان الشاعر يملك هذا الوعي الساساني في موضع آخر، فلماذا تختفي ساسان هنا لصالح فارس؟ وإذا كان النص يتحرك في فضاء آمد ومارد وزاغروس وكوردستان، فلماذا يظهر الترك في موضع لا ينسجم مع زمن القصيدة ولا مع مسرحها؟

واللافت أن القصيدة نفسها، حتى في رواية البحتري، لا تستطيع إخفاء بيئتها الأصلية؛ فهي تذكر قُباذ، وآمد، ومارد، وحمير، والحبش، والروم، وسليمان وريدان. أي إنها تتحرك بين عالم ساساني، وفضاء يمني، وذاكرة ملوكية واسعة، لا في فضاء تركي أو سياق يبرر إقحام الترك في قلب هذا المشهد. وتزداد الإشكالية وضوحًا إذا تذكرنا أن الظهور السياسي المعروف للترك ارتبط بالخاقانية التركية الأولى في أواسط القرن السادس الميلادي، نحو سنة 552م، في فضاء آسيا الوسطى، بينما لم يتحول حضورهم إلى قوة مؤثرة داخل قلب المشرق الإسلامي إلا في عصور لاحقة، ولا سيما منذ العصر العباسي في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ثم تعاظم حضورهم السياسي والعسكري مع السلاجقة في القرن الحادي عشر. وهذا يجعل إدخال «الترك» في بيت يتصل بجيش ساساني وبفضاء زاغروسي–كوردستاني سابق للإسلام قراءة شديدة الاضطراب، ويقوي أن الصيغة المنسجمة مع زمن القصيدة وجغرافيتها هي «بكرد» لا «بترك».

أما آمد، فهي الشاهد الجغرافي الذي لم تستطع الرواية المتأخرة محوه. فالبيت يقول: «وحشّت بأيديها بوارق آمد»، وورود اسم آمد هنا بالغ الدلالة؛ فهي ليست موضعًا عابرًا، بل مدينة كوردية عريقة بقي اسمها حيًا في الذاكرة الكوردية حتى اليوم. واللافت أن البحتري، رغم ما وقع في روايته من تعويم للساسانية في «فارس» ومن إزاحة للكورد إلى «الترك»، لم يستبدل اسم آمد باسم آخر. وهذا يعني أن اسم المدينة التاريخي ظل حاضرًا في النص قبل أن تُلحقه السلطات اللاحقة بتسمية «ديار بكر».

وهذا التفصيل، على صغره الظاهري، يهدم واحدة من أكثر المزاعم العروبية تهافتًا، تلك التي تحاول أن تجعل آمد مدينة لقبيلة عربية أو جزءًا أصيلًا من جغرافيا عربية قديمة. فلو كانت آمد، في الوعي العربي القديم، مدينة عربية أو ديارًا لقبيلة عربية، لما بقي اسمها في الشعر كما هو: آمد، ولما احتاجت القرون اللاحقة إلى إعادة تسميتها وإدخالها في إطار «ديار بكر». إن بقاء الاسم القديم في النص هو شهادة ضد التعريب اللاحق، وضد الذين يحاولون تحويل نتائج الغلبة السياسية إلى أصول تاريخية.

بهذا نكون أمام ثلاث طبقات من التحريف أو التعويم: تحويل الكُرد إلى ترك، وتعويم الساسانية في فارس، ثم محاولة لاحقة لسلخ آمد من اسمها وذاكرتها وإدخالها في تسمية سياسية وقبلية متأخرة. وكلها تخدم، بوعي أو بغير وعي، نتيجة واحدة: إزاحة الكورد من أحد أهم فضاءات حضورهم التاريخي قبل الإسلام، وإظهارهم كأنهم طارئون على جغرافيا كانوا في قلب بنيتها الزاغروسية والفهلوية والساسانية.

وهذه ليست حالة معزولة، بل تساير ما جرى في القرون اللاحقة لانهيار الإمبراطورية الساسانية. فقد بدأت السرديات الغالبة تعيد تصنيف شعوب المنطقة وفق منطق السلطة الجديدة، لا وفق حقيقتها التاريخية. فما كان ساسانيًا أصبح فارسيًا، وما كان فهلويًا وزاغروسيًا أصبح فارسيًا، وما كان كورديًا ذاب في أسماء أوسع: الفرس، الأعاجم، الجبل، الموالي، ثم لاحقًا الترك. وهكذا لم يكن المحو دائمًا إنكارًا مباشرًا، بل كان أحيانًا تعويمًا مقصودًا داخل أسماء كبرى تبتلع الخصوصيات القومية واللغوية.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

8/6/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المدن مجرد أبنية وشوارع وأسواق، بل هي ذاكرة الناس، وملامح طفولتهم، وصدى أحلامهم الأولى. ومن بين تلك المدن التي تركت أثرًا لا يُمحى في نفوس أبنائها، تبرز قامشلو، أو القامشلي، المدينة التي تغنى بها أهلها، ووصفوها بمدينة الحب، ومدينة الشمس، وموطن التآخي والتنوع، حيث كانت الإنسانية هي اللغة المشتركة بين الجميع. عدت إليها بعد سنوات طويلة من…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   لم يكن إعدام شابين من متظاهري أصفهان في ساحة عامة، يوم 28 يوليو/تموز 2026، مجرد تنفيذ حكم جديد في سجل طويل من القمع. كان رسالة سياسية متعمدة من نظام يعرف أن الخوف هو آخر أدواته. فحين تُنصب المشانق في ميدان عام، لا يكون الهدف معاقبة فردين فقط، بل توجيه…

صديق ملا الحكومة السورية المؤقتة وخلال الشهور الثمانية عشر الماضية من توليها السلطة في دمشق لا تولي أي إهتمام لمشاكل الشعب السوري الداخلية وقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والحوار الوطني ، بل ترسخ ثقافة اللون الواحد والأيديولوجية الواحدة ، حتى بات ينظر إليها كنسخة مكررة من الإستبداد، ترتدي عبائة الشرعية الثورية وتمارس القمع باسم الحفاظ على وحدة البلاد، وإن استفراد منظومة…

إبراهيم محمود ” محاكمة الكاتب والروائي يشار كمال – من وضْع المترجم “ ( ملاحظة من المترجم: لأهمية هذا الموضوع، رغم طوله النسبي، وهو كلٌّ لا يتجزأ، أقدمتُ على نقله عن الفرنسية إلى العربية، آمل أن يكون في قراءته ما يفيد قارئه تاريخياً وأبعد ممّا هو تاريخي، وخاصة مقال يشار كمال : السماء المظلمة فوق تركيا ضمناً، المحرك…