قامشلو… حين تُثقل الأزمات مدينةً صنعت الحياة

حسن قاسم
ليست المدن مجرد أبنية وشوارع وأسواق، بل هي ذاكرة الناس، وملامح طفولتهم، وصدى أحلامهم الأولى. ومن بين تلك المدن التي تركت أثرًا لا يُمحى في نفوس أبنائها، تبرز قامشلو، أو القامشلي، المدينة التي تغنى بها أهلها، ووصفوها بمدينة الحب، ومدينة الشمس، وموطن التآخي والتنوع، حيث كانت الإنسانية هي اللغة المشتركة بين الجميع.
عدت إليها بعد سنوات طويلة من الغربة، أحمل في داخلي صورًا لم تغادر الذاكرة؛ شوارعها التي عرفتها نابضة بالحياة، ووجوه أهلها التي كانت تبعث الطمأنينة، وأماكن ارتبطت بأجمل مراحل الصبا والشباب. لكن الواقع الذي استقبلني كان مختلفًا، حتى بدا وكأن المدينة التي عرفتها لم تعد هي ذاتها.
اليوم، يعيش أبناء قامشلو تحت وطأة أزمات متلاحقة أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية. الكهرباء والمياه والوقود لم تعد خدمات أساسية، بل تحولت إلى هواجس تثقل كاهل كل أسرة. يضاف إلى ذلك اتساع رقعة الفقر وغلاء المعيشة، حتى أصبح المواطن يشعر بأنه غريب في مدينته، يكافح من أجل أبسط مقومات الحياة، بينما تتراجع قدرته على التمسك بالأمل.
والمفارقة المؤلمة أن هذه المنطقة تُعد من أغنى مناطق سوريا بما تمتلكه من ثروات طبيعية وزراعية، من النفط والغاز إلى الأراضي الخصبة والثروة الحيوانية. ومع ذلك، لم تنعكس هذه الإمكانات على حياة الناس، بل بقيت معاناتهم تتفاقم، فيما يتساءل المواطن البسيط: أين تذهب خيرات هذه الأرض؟ ولماذا لا تكون سببًا في تحسين حياة أبنائها؟
ولا يمكن فصل الواقع الخدمي عن المشهد السياسي الذي طغت عليه الخلافات والصراعات، فكانت النتيجة تراجعًا في الخدمات وغيابًا للمساءلة، في وقت ازدهرت فيه ثقافة الانتهازية والمصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة. أما الشوارع التي كانت عنوانًا للحياة، فقد أنهكتها الحفر، وتكدست فيها النفايات، في مشهد يعكس حجم الإهمال الذي يلمسه الجميع.
ورغم كل ما يعتصر القلب من ألم، فإن أبناء قامشلو لم يفقدوا محبتهم لمدينتهم. فالانتماء الحقيقي لا يتبدل بتبدل الظروف، بل يزداد رسوخًا كلما اشتدت المحن. ولهذا، فإن الحديث عن قامشلو ليس حديثًا عن مدينة أنهكتها الأزمات فحسب، بل عن مدينة تستحق أن تستعيد مكانتها، وأن يعيش أهلها بكرامة واستقرار، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات التي يدفع المواطن ثمنها كل يوم.
سيبقى الأمل قائمًا بأن تستعيد قامشلو وجهها المشرق، وأن تعود مدينةً للحب والشمس والتعايش، كما عرفها أبناؤها، وأن يكون مستقبلها قائمًا على وحدة أهلها، واحترام تنوعهم، والعمل من أجل مصلحة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
إلى قامشلو… القامشلي… زالين، نقول: قد تُرهقكِ السنوات، وقد تثقل كاهلكِ الأزمات، لكنكِ ستبقين في قلوب أبنائكِ مدينة الذكريات الجميلة، وموطن الحنين الذي لا يغيب، والأمل الذي ننتظر أن يتحول يومًا إلى واقع يليق بكِ وبأهلكِ

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو ورد في منشور السيد صهيب اليعربي على صفحته في الفيسبوك ما يلي: “حذف كلمة «العربية» من اسم الجمهورية العربية السورية بحجة تحقيق الديمقراطية والتعددية يكشف عن فهم مشوه لمعنى الدولة والمواطنة… لو طبقنا هذا المنطق العبثي على دول تعتبر قلاعا للديمقراطية سنصل إلى نتائج كارثية. ففي ألمانيا مثلا يعيش ملايين الأتراك الذين يشكلون كتلة ديموغرافية ضخمة ومؤثرة، فهل…

صديق ملا المسألة الكردية لم تعد شأناً محلياً منفصلاً في كل دولة، بل تتأثر بتحولات متزامنة في سوريا والعراق وتركيا وإيران وبإعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. وهذا يفرض على النخب الكردية الثقافية الانتقال من ردّ الفعل إلى التفكير الاستراتيجي. ولذلك يترتب على المثقف الكردي الآن، أن يستعيد شخصيته الإعتبارية بالضغط على كافة القوى السياسية الكوردية دون الإنحياز إلى هذا الطرف…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي لم أشاهده يومًا يطلب شيئًا لنفسه، ولم أره يومًا يسعى وراء منفعة شخصية، وإنما رأيته مدافعًا وطالبًا من أجل شعبه وقضيته، ومرشدًا للناس إلى طريق الصواب، مستندًا إلى ما يمتلكه من معرفة وخبرة بخفايا السياسة وكواليسها. سواء كنا مختلفين معه أو متفقين، فهذا موقفه، ومن حق كل شخص أن يرد عليه، وأن يناقش مواقفه وتصريحاته، إن…

Ahmad Bave Felek التضامن مع الدكتور سربست نبي، لأن ما قاله يفتح بابًا لا يريد كثيرون الاقتراب منه: باب مراجعة التاريخ، لا التصفيق للحاضر. إذا كان الطريق اليوم هو طريق الاتفاق والتنسيق والتفاهم، فلماذا احتاج الأمر كل هذه العقود، وكل هذا الدم، وكل هذه التضحيات، حتى نصل…