منطق فرق تسد الكوردي ومعركة التغيير 

ريبر هبون
 حين يتحول الصراع إلى نظام مغلق
ما يجري داخل البنية الحزبية أو عقلية الحزبوي الكوردي ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو امتداد مُعاد تدويره لمنطق قديم لم يغادر الذاكرة الاجتماعية بعد
منطق الانقسام الصغير الذي كان يحكم العلاقات الاجتماعية، ثم أعاد إنتاج نفسه داخل مؤسسات يفترض أنها وُجدت لتجاوز ذلك الانقسام لا لتكريسه، حيث لم تتجاوز العقلية الحزبية تلك العشائرية المحكومة بجغرافية جبلية انعزالية بعيدة عن التمدن ولم تفهم جيدا دروس التشبع بأخلاقيات المجتمع المدني من جيرانها ممن لهم ميراث عميق تاريخياً في الحكم وبناء المدائن والممالك والامبراطوريات كالفرس والعثمانيين، فلم يتشبع السياسي الكوردي بفكر بناء الدول وخلق اتحادات ان على صعيد المجتمع أو التنظيمات 
فبدل أن تتحول الأحزاب إلى فضاء يجمع الاختلاف وينظمه ضمن مشروع سياسي مشترك، تحولت تدريجياً إلى جزر مغلقة، وهذا الانغلاق تاريخي ونتاج مراحل ضعف وانحطاط وشعور بالتدني أمام الأعراق القوية والتي لديها باع في إنشاء الاتحادات لا تشتيت القوى 
فعمل الأحزاب الكوردية والمؤثرة منها خصوصاً وعما مريديها الذين لهم باع في الشقاق ممن دجنهم المال السياسي الذي أغدقته عليهم أحزابهم هو ممارسة التخوين ووصم الأحزاب التي تنافسها على أنها عميلة ومن صنيعة الاستخبارات وأنها هي دون غيرها حارسة المشروع القومي وكذلك نعت المثقف بأنه أكثر من يمارس الخيانةكونه الأقدر على تبريرها مستندة في ذلك على عبارة لينين . ومع الوقت صار معيار الانتماء ليس القدرة على التفكير أو الإضافة، بل القدرة على التكرار، وإتقان خطاب الاصطفاف، والوقوف في الجهة الصحيحة” ونجد تلك العقلية لدى كبار السن ممن كان لديهم دور في الشقاق وتجربة حياتهم مثال على عدم قدرتهم على توحيد الصف ونجد غالبهم قد خرج من الوطن للخارج ونراه مستمرا في مزاولة إرثه الشقاقي المتعلق بتسعير الخلاف الكوردي الكوردي واستجرار الماضي من خلال تكرار قصص متعلقة بالشجارات والملاسنات التي تمت بينه وبين أنصار أحزاب أخرى في مراحل تاريخية متقطعة تعود لعقدين أو أكثر وهذا يذكرنا بعقلية الثأر القبلية وعدم نسيان العداوات القبلية وفق عقلية كليب ومقولته “لاتصالح”
في هذا السياق، لا يعود المثقف شريكاً في صناعة القرار، بل يصبح مادة مشكوكاً فيها سلفاً.
حيث تقوم الأحزاب الكوردية دون ذكر الأسماء باستمالة نوع من المثقفين الذين باعوا قلمهم لها لقاء منافع مادية وامتيازات معينة لقاء أن يقضي ذلك المثقف أو المبدع المرتهن حياته بأكملها يجمّل ويطبّل لذلك الحزب مهاجماً خصمه على الضفة الأخرى،إذ كلما تمادى في خصومته كلما ضمن رضا الحزب عنه وظلت مؤسساتها مفتوحة له . أما المثقف أو المبدع الذي يأبى إلا أن يكون إلى جانب الشعب 
 يُنظر إليه كعنصر غير مضمون: لأنه يسأل، ولأنه لا يكتفي بترداد الشعارات ، ولأنه يربك اليقينيات الجاهزة. لذلك يتم استبعاده تدريجياً، إلا إذا قرر أن يخفف من حدّة عقله ويستبدله بلسان حزبي جاهز، أو يتحول إلى مبرر محترف لما هو قائم.
وهكذا يُعاد تعريف “المثقف المقبول” داخل الحزب: ليس من ينتج فكرة، بل من يجيد تزيين الفكرة الرسمية، أو مهاجمة الخصم بالأسلوب المطلوب. أما من يصرّ على الاستقلالية وهو المعرفي الحق والذي يصطفيه التاريخ بعد ردح من الزمن ويجلي الغبار عن كتبه ومواقفه فيُدفع خارج الدائرة أو يُترك في الهامش، وكأن التفكير الحر تهمة تحتاج إلى تبرير.
المفارقة أن هذا النمط لا يضعف الخصم فقط، بل يضعف الجميع. لأن السياسة حين تُبنى على نفي الآخر بدل التنافس معه، تتحول إلى دائرة مغلقة من الاتهامات المتبادلة، حيث يصبح كل طرف دليلاً على الآخر، وكل خطاب ذريعة لخطاب مضاد. وفي هذه الدوامة، يضيع الهدف الأساسي: بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على التمثيل الفعلي لا مجرد إعادة إنتاج الانقسام.
ومن هنا فإن كفاح المعرفيين الشاق بوجه الزيف ورعاته قديم قدم محاولات السلطات المهيمنة احتكار الجهود البطولية التي ديدنها التغيير والعمل 
النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي اتساع الفجوة بين المجتمع والأحزاب. المجتمع يتقدم في أسئلته، بينما البنية الحزبية تبقى أسيرة أدوات قديمة: الولاء قبل الكفاءة، الانتماء قبل الفكرة، والاصطفاف قبل النقاش. ومع الوقت، يصبح الانسحاب الصامت للمثقفين من الفعل السياسي ليس موقفاً أخلاقياً بقدر ما هو نتيجة مناخ طارد.
الخروج من هذا الوضع لا يبدأ بالشعارات، بل بتجمع المعرفيين الأحرار 
كون التقائهم وتبادلهم المعرفي فيما بينهم يضع حداً لمتملقي السلطة من أنصاف المثقفين أو المبدعين ويحد من تأثيراتهم السلبية على بنية المجتمع 
ويقوم بإعادة تعريف العلاقة بين الحزب والفكرة، بين التنظيم والعقل. أي حزب لا يحتمل وجود مثقف مختلف داخله، هو حزب يخاف من مستقبله أكثر مما يواجه خصومه لهذا يبقى يراوح في ذات المكان.
 وأي مثقف ينتظر دعوة ليشارك، بدل أن يصنع مساحة حضوره، يساهم من حيث لا يدري في استمرار نفس الحلقة.
في النهاية، ليست المشكلة في كثرة الأحزاب، بل في ندرة الفضاء الذي يسمح للفكرة أن تعيش خارج منطق الولاء. وعندما تُختزل السياسة في “مع أو ضد”، يصبح من الطبيعي أن يضيع كل شيء… حتى المعنى نفسه.
ولهذا وجب التذكير بأهمية الاسترشاد بقوى التغيير الذين يكاشفون ويصارحون من أجل خلق وعي جديد بالحاضر بغية مستقبل أفضل دعامته معرفيون طموحون في نقل مجتمعاتهم من واقع هش إلى واقع أفضل 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…

شادي حاجي تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي رافقت قيام الدولة سوريا الحديثة منذ عشرينات القرن المنصرم خلال الاستعمار الفرنسي، لا يمكن من خلالها القفز فوق الحقائق المثبتة بوقائع الأحداث؛ الا وهي مشاركة الشعب الكُردي جميع المكونات السورية فكرة بناء وتأسيس الدولة السورية الحديثة، ولطالما حاول نظام البعث المنطلق من مبادئه…

تتابع الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق بالغ وإدانة شديدة استمرار الاعتداءات والقصف الذي يتعرض له إقليم كوردستان العراق، ولا سيما المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين الكرد من شرق كردستان، على يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، في انتهاك صارخ لسيادة جمهورية العراق والقانون الدولي، واستهدافٍ مباشر للمدنيين واللاجئين. إن هذه الهجمات، التي تطال إقليماً شكّل ملاذاً آمناً…