من الأسد إلى الشرع: الدولة التي تغيّر خطابها ولم تغيّر مركزها.. الحلقة الأولى من سلسلة: القضية الكردية بين الأسد والشرع

عدنان بدرالدين

حين سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا وكأن سوريا تقف أمام لحظة تأسيسية حقيقية. لم يكن السقوط مجرد حدث سياسي، بل نهاية شكل كامل من الحكم استمر أكثر من نصف قرن: دولة أمنية مركزية، تقوم على الخوف، وتختزل الوطن في السلطة، والسلطة في العائلة، والعائلة في شخص الحاكم.

كان من الطبيعي أن يفتح هذا الحدث باب الأسئلة الكبرى: هل يمكن أن تولد سوريا جديدة من هذا الخراب الطويل؟ وهل يمكن أن تتحول الدولة من جهاز للضبط والسيطرة إلى عقد وطني بين مكوناتها؟ وهل يمكن أن تعيد البلاد تعريف نفسها، لا بوصفها دولة مركزية تنكر تنوعها، بل وطنًا مركبًا يعترف بتعدده القومي والديني والثقافي؟

لكن الأسئلة الكبرى لا تجيب عنها الشعارات، ولا تبدل الوجوه، ولا تغيير اللغة السياسية وحده. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر ما قد يحدث بعد سقوط نظام استبدادي ليس دائمًا عودة النظام القديم باسمه، بل عودة منطقه العميق بلباس جديد.

من هنا تنبع أهمية النظر إلى حكم أحمد الشرع، لا بوصفه مجرد بديل سياسي عن بشار الأسد، بل بوصفه اختبارًا لطبيعة الدولة السورية بعد الأسد. السؤال ليس: هل يختلف الشرع عن الأسد في الخلفية والخطاب والتحالفات؟ الجواب واضح: نعم. السؤال الأعمق هو: هل تغيرت البنية التي جعلت الدولة السورية، طوال عقود، مركزًا يحتكر تعريف الوطن والشعب والشرعية؟

كان نظام الأسد واضحًا في طبيعته. لم يعترف، في بنيته الفعلية، بأي تعددية سياسية أو قومية حقيقية. كانت سوريا تُعرَّف من الأعلى: دولة عربية، ذات حزب قائد، وسلطة أمنية واسعة، ومركز سياسي لا يقبل الشراكة إلا بوصفها تبعية. لم تكن المكونات السورية المختلفة — الكرد والعلويون والدروز والإسماعيليون والمسيحيون والتركمان وغيرهم — شركاء في تعريف الدولة، بل جماعات تُدار داخلها أو تُستخدم أو تُخضع.

أما الكرد، فقد احتلوا موقعًا خاصًا داخل هذا الإنكار. لم يتعامل معهم النظام بوصفهم شعبًا له خصوصية قومية ولغوية وثقافية، بل بوصفهم مشكلة أمنية أو سكانية أو حدودية. من الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي ومنع اللغة الكردية وحرمان مئات الآلاف من الجنسية، وصولًا إلى سياسات الاحتواء والقمع، ظل الجوهر واحدًا: يمكن للكرد أن يكونوا أفرادًا داخل الدولة، لكن لا يجوز لهم أن يظهروا كجماعة قومية ذات حقوق مؤسسة.

بهذا المعنى، لم تكن القضية الكردية في عهد الأسد مطلبًا جزئيًا، بل كانت تكشف طبيعة الدولة نفسها. فالدولة التي ترفض الاعتراف بالكرد كقومية مؤسسة، لا ترفض مطلبًا كرديًا فقط، بل ترفض فكرة سوريا المتعددة أصلًا. إنها لا تنكر جماعة بعينها فحسب، بل تنكر مبدأ أن يكون التعدد جزءًا من تعريف الدولة، لا مجرد تفصيل اجتماعي داخلها.

بعد سقوط الأسد، كان من المفترض أن يُفتح هذا السؤال من جديد. كان من المنتظر أن تكون لحظة الانهيار فرصة لإعادة تعريف سوريا: من هو الشعب السوري؟ هل هو كتلة واحدة تُعرَّف باسم الأغلبية أو السلطة أو الدين أو اللغة؟ أم جماعة سياسية مركبة تضم قوميات وأديانًا وثقافات متعددة، ينبغي أن تشارك جميعها في صياغة العقد الوطني الجديد؟

غير أن المؤشرات الأولى لحكم أحمد الشرع لم تذهب بعيدًا في هذا الاتجاه. صحيح أن الخطاب لم يعد بعثيًا بالمعنى القديم، ولم يعد يستند إلى اللغة الأيديولوجية نفسها التي حكم بها نظام الأسد البلاد لعقود. لكن كثيرًا من المفردات المستخدمة اليوم — مثل الوحدة الوطنية، والسيادة، والاستقرار، والمواطنة — لم تكن غائبة عن قاموس النظام السابق أيضًا. الفارق لا يكمن في ظهور هذه الكلمات لأول مرة، بل في انتقالها من سياق بعثي ـ أمني قديم إلى سياق انتقالي جديد يدّعي تمثيل الثورة وإعادة بناء الدولة. غير أن هذا الانتقال اللغوي لا يكفي وحده لإثبات تبدل البنية. فقد استخدم نظام الأسد هذه المفردات لتبرير المركزية ورفض الاعتراف بالتعدد، وقد تستطيع السلطة الجديدة، إذا لم تُقيد بضمانات دستورية واضحة، أن تستخدم المفردات نفسها بوظيفة مشابهة: تثبيت المركز، وتأجيل الحقوق، وتحويل المواطنة العامة إلى بديل عن الاعتراف القومي والسياسي.

المشكلة أن السلطة الجديدة بدت، منذ خطواتها الأولى، أقرب إلى إعادة إنتاج المركز السوري لا إلى تفكيكه. تشكلت المؤسسات الانتقالية بمنطق فوقي، وظهرت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني بتركيبة لا تعكس حقيقة المجتمع السوري، ولا عمق تنوعه، ولا حجم الجراح التي خلّفتها عقود الاستبداد والحرب. غاب الكرد، كما غابت مكونات أخرى أو حَضَرت بصورة رمزية لا تكفي لتأسيس شراكة وطنية حقيقية.

هذا الغياب ليس تفصيلًا إداريًا. ففي لحظات التأسيس، من يُستبعد من الطاولة لا يُستبعد من إجراء شكلي فقط، بل من تعريف المستقبل. وحين لا تشارك المكونات في صياغة المعنى الجديد للدولة، يصبح الحديث عن «الوحدة الوطنية» أقرب إلى استعادة لغة قديمة بصوت جديد.

الوحدة الوطنية ليست جملة جميلة. هي بنية سياسية. وهي لا تعني أن يذوب الجميع في مركز واحد، بل أن يشعر الجميع بأنهم شركاء في تعريف هذا المركز نفسه. أما حين تُستخدم الوحدة لتأجيل سؤال التعدد، أو تجاوز الحقوق القومية والثقافية والسياسية، فإنها تتحول من فكرة جامعة إلى أداة احتواء.

هنا يظهر التشابه العميق، لا التطابق الكامل، بين الدولة القديمة والدولة الجديدة المحتملة. فنظام الأسد كان يقول للكرد عمليًا، بلغة أمنية وقومية خشنة: أنتم مواطنون سوريون، لكن لا قضية قومية لكم. أما حكم الشرع، في صيغته الراهنة على الأقل، فلا يكرر اللغة نفسها بالضرورة، لكنه يقترب من نتيجة مشابهة عبر طريق أكثر نعومة: أنتم جزء من الشعب السوري، وحقوقكم محفوظة كمواطنين، لكن لا حديث واضحًا حتى الآن عن اعتراف قومي دستوري، ولا عن ضمانات لغوية وسياسية وإدارية خاصة، ولا عن إعادة توزيع حقيقية للسلطة.

الفرق بين الصيغتين مهم من حيث الشكل والآلية. فالأولى كانت إنكارًا مباشرًا يستند إلى قومية عربية وأجهزة أمنية وسياسات استثنائية. أما الثانية فقد تتحول إلى احتواء ناعم يستند إلى خطاب المواطنة والوحدة والاستقرار. غير أن هذا الفرق لا يكون حاسمًا إذا انتهت الصيغتان إلى النتيجة نفسها: دفع الكرد من موقع شعب له قضية تاريخية إلى موقع أفراد داخل جماعة وطنية عامة. فالمواطنة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها حين تكون الدولة قد قامت تاريخيًا على إنكار جماعات بعينها، وحين يصبح الحديث عن الحقوق الفردية بديلًا عن الاعتراف السياسي والدستوري بالجماعة.

المواطن الكردي يحتاج إلى مساواة كاملة أمام القانون. لكنه يحتاج أيضًا إلى ضمانات تتصل بلغته وثقافته وتمثيله وإدارة مناطقه وموقعه في الدستور والجيش والتعليم. فالقضية الكردية لا تختصر في بطاقة هوية، بل تتعلق بعلاقة جماعة تاريخية بالدولة التي أنكرتها طويلًا.

ولا يعني الاعتراف بالحقوق القومية تهديد وحدة سوريا، كما يردد بعض الخصوم. العكس هو الصحيح: إنكار التعدد هو الذي يهدد الوحدة، لأنه يدفع المكونات إلى البحث عن حماية خارج العقد الوطني. أما الاعتراف الدستوري الواضح — سواء في صيغة فيدرالية أو حكم ذاتي أو لامركزية سياسية حقيقية — فيمكن أن يكون وسيلة لإنقاذ الوحدة من المركزية التي مزقتها سابقًا.

لقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن الدولة المركزية الصلبة لم تحمِ البلاد، بل ساهمت في تفجيرها. لم تمنع المركزية الحرب، ولا التدخلات الخارجية، ولا الانقسام الأهلي، ولا انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع. لذلك فإن العودة إلى مركزية جديدة، حتى لو جاءت بلغة مختلفة، لن تكون حلًا. قد تستعيد السلطة الجديدة الوزارات والمعابر والمطارات، لكنها لن تستعيد سوريا إذا لم تستعد ثقة مكوناتها. والثقة لا تُبنى بالمواعظ، بل بالضمانات.

هنا تبرز القضية الكردية بوصفها اختبارًا مبكرًا لسوريا الجديدة. فإذا تعامل حكم الشرع مع الكرد كما تعاملت معهم الدولة القديمة — بوصفهم ملفًا أمنيًا أو إداريًا أو عسكريًا — فإن ذلك سيعني أن سوريا لم تتغير في العمق. وإذا اختُزلت المسألة في دمج قوات سوريا الديمقراطية أو حل الإدارة الذاتية أو استعادة المعابر والحقول النفطية، فإن الدولة الجديدة ستبدأ من الخطأ نفسه الذي بدأت منه الدولة القديمة: الخلط بين السيطرة والحل.

لا شك أن تجربة الإدارة الذاتية وقسد تطرح أسئلة صعبة. فهي لم تكن مشروعًا كرديًا جامعًا، ولم تستطع أن تتحول إلى إطار تمثيلي يحظى بتفويض كردي عام. لكن فشل تجربة سياسية أو عسكرية معينة لا يلغي عدالة القضية التي ادعت تمثيلها. ونقد قسد لا يبرر عودة الدولة المركزية كما كانت. كما أن نقد الإدارة الأوجلانية لا يعني القبول بإدماج الكرد في دولة لا تعترف بخصوصيتهم القومية والثقافية والسياسية.

السيادة نفسها تحتاج إلى تعريف جديد. في الدولة القديمة كانت تعني حق المركز في القرار. أما في الدولة الديمقراطية المركبة، فيجب أن تعني مشاركة المكونات في صناعة هذا القرار. السيادة ليست ملكية حصرية للعاصمة، بل عقد بين الذين يعيشون داخل الدولة. وإذا بقي المركز وحده يملك حق تعريف السيادة، فسنكون أمام دولة جديدة في الشكل، قديمة في الجوهر.

من هنا، فإن المقارنة بين الأسد والشرع لا ينبغي أن تُختزل في النوايا. ربما يرى الشرع وأنصاره أنهم يؤسسون لدولة جديدة، وربما يعتقدون أن إعادة توحيد المؤسسات شرط ضروري للاستقرار. لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، بل بالنتائج والبنى والضمانات.

والنتيجة التي يمكن ملاحظتها حتى الآن هي أن الدولة السورية بعد الأسد لم تقدم بعد تصورًا واضحًا لسوريا متعددة فعلًا. تبدلت الوجوه وتغيرت المفردات، لكن السؤال التأسيسي بقي معلقًا: هل يملك الكرد، ومعهم بقية المكونات، حق المشاركة في تعريف سوريا؟ أم أن المطلوب منهم فقط الاندماج في تعريف يضعه المركز باسمهم؟

هذا السؤال هو جوهر السلسلة كلها. فالقضية الكردية بين الأسد والشرع ليست مجرد مقارنة بين عهدين، بل اختبار لمعنى التغيير في سوريا. إذا كان التغيير يعني سقوط عائلة وصعود سلطة أخرى تحتفظ بحق تعريف الدولة من الأعلى، فنحن أمام انتقال محدود. أما إذا كان التغيير يعني إعادة بناء العقد الوطني على أساس الاعتراف والتعدد وتقاسم السلطة، فحينها فقط يمكن القول إن سوريا بدأت تخرج من ظل الأسد، لا من حكمه فقط.

الفرق بين الخروج من حكم الأسد والخروج من منطق الأسد فرق كبير. الأول حدث سياسي. أما الثاني فهو عملية تاريخية لم تبدأ بعد بما يكفي من الوضوح. والقضية الكردية ستكون، على الأرجح، أحد أهم الاختبارات التي ستكشف أي الطريقين ستسلكه سوريا: طريق الدولة التي تعترف بتعددها، أم طريق المركز الذي يغيّر لغته كي يحتفظ بسلطته.

هناك تبدأ الحلقة الثانية: لا من دمشق وحدها، بل من التجربة الكردية نفسها، حيث اختلطت القوة بالتمثيل، والتحالف العسكري بالوهم السياسي. سننتقل إلى كردستان الغربية، لا بوصفها هامشًا في الصراع السوري، بل بوصفها مختبرًا قاسيًا لما يحدث حين تتحول قضية عادلة إلى ملف تديره قوى أكبر منها، وحين لا تتحول التضحيات إلى ضمانات، ولا القوة العسكرية إلى شرعية سياسية. هناك سنحاول فهم كيف وجدت القضية الكردية نفسها، بعد سنوات من الحرب والرهان والانتظار، أمام لحظة انكشاف جديدة بين إدارة لا تمثل الكرد بالكامل، ودولة مركزية جديدة لم تقدم لهم حتى الآن عقدًا وطنيًا مختلفًا.
الآن عقدًا وطنيًا مختلفًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. مرشد اليوسف شهد المجتمع الكردي في سوريا خلال العقود الماضية تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية عميقة، أدت إلى تشكل فضاء كردي متنوع لا يقتصر على مناطق الجزيرة والفرات، بل يمتد إلى المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية ودرعا وغيرها. وقد أنتج هذا الانتشار الجغرافي شريحة واسعة من الكرد يمكن تسميتها بـ”كرد الداخل السوري”، وهم أولئك الذين عاشوا…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* «إن جمهورية الإعدام الإسلامية الإيرانية قد هرمت جداً، لكن معنوياتنا لا تزال متقدة.. جمهورية الإعدام الإسلامية تتجه نحو نهايتها، أما نحن، فعلى قمة الجبل منشغلون بإنزال الشمس وجلبها إلى الأرض». هذه ترجمة لجزء من قصيدة للشاعر الكردي الشهير، شيركو بيكس، وكأنها نُظمت ليومنا هذا. النظام الإيراني في أضعف حالاته، والشعب الإيراني على عتبة الانتصار. بعبارة أخرى، الشعب…

عبد الرحمن كلو المشكلة ليست في المعارضة، بل في المنطلق المفاهيمي الذي يَختزل الوطنَ التاريخي في سلطةٍ عابرة. أطلق رئيسُ حركة الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، عبارةً مفادُها أنه «إمّا أن تَسقط حكومةُ إقليم كوردستان، أو لن يبقى هناك إقليم»، وكرّرها في مؤتمره الصحفي بصيغٍ متقاربة. وقد لقيت العبارةُ موجةَ نقدٍ واسعة، تراوحت بين الاستنكار السياسي والاتهام الصريح. غير أن…

حسن قاسم ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا اليوم من حراك شعبي واحتجاجات متصاعدة ليس حدثاً عابراً أو تفصيلاً هامشياً في المشهد السياسي، بل هو تعبير حيّ عن تراكم طويل من المعاناة والخذلان، وعن وعي جماهيري متنامٍ بحجم الحقوق المسلوبة والفرص المهدورة. إن هذا الحراك يستحق التقدير، لأنه يعيد الاعتبار لدور الشعب بوصفه المصدر الحقيقي لأي شرعية، ويؤكد أن الجماهير…