المجتمع البشري كيف كان ، وكيف يمكن أن يكون في المستقبل؟

شكري بكر
لو أردنا أن نسرد الحياة من الزاوية التاريخية نراها مليئة بالأسرار منها سلبية ومنها إيجابية ، وكل فرد يأخذ من هذه الأسرار ما يتلائم مع وعيه الفكري والثقافي ، البعض يعمل على الود والوئام والأمان والإطمئنان لنتقرب من بناء مجتمع إنساني خال من كل أشكال الصراع والإنتقال بنا نحو مقارعة الكوارث الطبيعية وجعلها في خدمة الطاقة البشرية .
وبعضه الآخر يعمل على خضوع القوة البشرية لسلطة أمر واقع فردا كان عائلة أم دينا أم طائفة أم حزبا .
وهذا هو مفتاح الصراع البشري والذي يدفع بالبشرية إلى فريقان :
فريق يعمل على إنهاء الصراع البشري .
والآخر يعمل على ترسيخ الصراع عبر محاربة كل من يرفض سلطات الأمر الواقع .
ظهر الصراع منذ أن وجد الإنسان ، كلما إتسعت دائرة الإنسان إتسعت معه دائرة الصراع ، وإلا لماذا قتل قابيل أخاه هابيل ؟.
بمعنى أن الصراع في البدايات كان ذات دوافع فردية عندما كانت دائرة البشرية لم تتعدى بضعة أشخاص أسرة أب البشرية (آدم) .
فيما بعد تطور مفهوم الصراع وصولا إلى تقسيم المجتمع وتوزعه على قوتين : قوة الخير وقوة الشر .
حول هذا الموضوع كتب زردشت :
يحكم الحياة قوتان قوة الخير وقوة الشر ، ثم قال لا بد في النهاية أن ينتصر قوة الخير على قوة الشر .
ثبت ذلك تاريخيا بوجود إمبراطوريتان ودخولهما في صراع البقاء أو الفناء .
إلى أن جاء القرن التاسع عشر ظهرت عدة قوى ، بعد حروب طاحنة بين تلك القوى إنتصرت فيه فرنسا وإنكلترا .
بعد هذه الحرب ظهر معسكران :
معسكر شرقي قاده الإتحاد السوفيتي السابق عبر فرض سياسة الحزب الواحد الحزب الشيوعي السوفيتي وعلى رأس الحزب كان فلاديمير إيلتش لينين .
معسكر غربي قاده الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان يحكمها حزبان الديمقراطي والجمهوري .
في26/12/1991 كان إنهيار الإتحاد السوفيتي على يد الرئيس ميخائيل غورباتشوف صاحب مشروع التغيير الذي أسماه غلاسنوست أو البروسترويكا
مع سقوط الإتحاد السوفيتي وبقاء الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحيدة في إدارة الصراع راهنا ولدت فكرة النظام العالمي الجديد ، أي المضي قدما نحو تحقيق نظام عالمي جديد قوامه الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان .
أحد أهم الأهداف المساعدة لتحقيق ذلك كان هو إقامة دولة إسرائيل عام 1948 ليلعب دور مهم في إقامة النظام المنشود ، قيام دولة إسرائيل ولدت صراع عربي إسلامي – إسرائيلي . وكانت البداية بحرب أفغانستان التي أدت إلى التدخل وإجبار السوفيت على الخروج بعد القضاء على نظام حفيظ الله أمين .
ثم مجيء الحرب الأهلية اللبنانية والتي تسببت في تدخل النظام السوري البائد والذي كان أحد شروط قمة الطائف تحت إسم قوات الردع العربية .
ثم يأتي سقوط نظام الشاهنشاهي في إيران على يد آية الخميني ، ثم نشوب حرب الخليج الأولى ، والحرب الخليج الثانية التي كانت سببا مباشرا في إسقاط نظام الدكتاتور المقبور صدام حسين .
ثم نهضت ثورات الربيع العربي التي أودت إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس ، وكذلك نظام معمر القذافي ، وحدوث تغيرات هامة على النظام الجزائري ، وقيام النظام المصري بإجراء تغيرات جذرية في مصر وكذلك السودان واليمن ، مرورا بسقوط دكتاتورية آل الأسد في سوريا .
وتعتبر الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران حلقة هامة في طريق تحقيق النظام العالمي الجديد ، لكون إيران دولة مصدرة للإرهاب في الساحتين الإقليمية والدولية والتي تدعمها كل من روسيا والصين ، بمعركة إيران سيتم وضع الملامح الرئيسية لخارطة الشرق الأوسط الجديد ، تمهيدا للزحف نحو الصين ، بعد إيقاف المد الإيراني عبر دعم شبكات الإرهاب المنتشرة في كافة أصقاع العالم .
وإجراء التغيير المطلوب في النظام الإيراني ، وإجراء تفاهمات سياسية مع تركية لكونها دولة بحسب لها في الشرق الأوسط ، ستتجه الأنظار الأمريكية نحو الصين ، فحرب أمريكية صينية قادمة عاجلا أم آجلا .
بعد الصين سيكون قد حققت الولايات المتحدة الأمريكية هدفها في القسم الشرقي من الكرة الأرضية .
فيما بعد ستتوجه نحو القارة العجوزة أوربا .
أعتقد أن القارة الأوربية لم تكن مثلها مثل الشرق ، إحتمال وارد جدا أن تتوصل كل من الدول الأوربية والولايات المتحدة إلى تفاهمات مشتركة تستبعد فيه نشوء حروب هنا وهناك ، بالأحرى القارة الأوربية ليست بعيدة عن كل ما يجري حول العالم برعاية أمريكية ، بل على إطلاع بكل ما يجري في المنطقة والعالم .
ما تهدف إليها أمريكا هي إيجاد تفاهمات مشتركة مع قادة الشرق والغرب للوصول معا إلى صيغة نظام حكم سياسي إقتصادي موحد يحكم العالم ، عالم يتمتع فيه كل شعب من شعوب الكرة الأرضية بحقه في تقرير المصير ضمن الجغرافيا العرقية والدينية له .
هذا هو ما يطمح إليه القوة التي على إقامة نظام عالمي جديد ، لتحقيق ذلك لا بد أنه سيكون هناك حتما خسائر بشرية وإقتصادية كبيرة ، بالمقابل سيتحقق السلام والعدالة والمساواة بين جميع أفرقاء المجتمع البشري وعلى كوكبنا الأرضي والتي يمكن أن نحولها إلى قرية صغيرة .
النظام العالمي الجديد قادم لا محال فيه ، لكن لا أجزم أن يكون بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أم بإسم آخر ، من المرجح أن يكون هناك إسم آخر يتفق عليه المجتمع الأممي لإدارة النظام الجديد في كرتنا الأرضية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحيم حسن بعد انتهاء اتفاقية (سايكس.بيكو) التي قسمت كوردستان الى اربعة اجزاء هاهم مرة اخرى يدفعون ثمن موقعهم الجغرافي لاثمن اخطاءهم . يراد لهم من المتربصين بهم ان يقبلوا دور الضحية مرة اخرى لا ان يكونواصاحب حق لقرن قادم وان يكونوا ورقة ضغط بيد الدول التي تضع مصالحها فوق مبادئها واعتبار حقوق الكورد ليست مشكلة بل وجود الكورد انفسهم مشكلة…

حسن قاسم تثير جولة المبعوث الأميركي في المنطقة جملة من التساؤلات الحساسة، لا سيما أنها تأتي في توقيت بالغ التعقيد، حيث تتشابك ملفات العراق وسوريا وتركيا وإيران ضمن مشهد إقليمي يعاد تشكيله على نار هادئة. ومن الواضح أن واشنطن لا تتحرك اليوم بمنطق إدارة الأزمات فقط، بل بمنطق إعادة هندسة التوازنات بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة. في العراق، يبدو…

المحامي محمود عمر أمين بروسك الضابط الكوردي في الجيش العثماني والمحارب تحت رايته في الحرب العالمية الأولى وفي حرب الاستقلال التركية والذي انضم فيما بعد لثورة الشيخ سعيد بيران ١٩٢٥ بسب تنكر أتاتورك لوعوده للكورد وسياساته القمعية ،وبعيد انهيار الثورة حكمت عليه السلطات التركية بالاعدام فاضطر للهروب الر سوريا ، وحين قبضت عليه السلطات الفرنسية وأرادت تسليمه للأتراك تدخل الشيخ(…

اكرم حسين يمرّ المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا، بعد أكثر من عام ونصف على انهيار بنية السلطة المركزية التي قامت عليها عقود من الحكم البعثي المستبد، بمرحلة إعادة تشكيل معقدة. ففي الوقت الذي تبدو فيه ملامح الدولة الجديدة وكأنها تتلمس طريقها بين أنقاض الماضي، بدأت الخريطة الفكرية والثقافية للمجتمع السوري تعكس تحولاً جذرياً في ميزان القوى، حيث بات الخطاب الديني…