المثقف الذي يحرس الباب

عبد الجابر حبيب

 

يرى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أن مهمة المثقف هي “قول الحقيقة في وجه السلطة” ولعل هذه العبارة، على قصرها، تفتح باباً لسؤال أكثر تعقيداً: هل السلطة دائماً هي ذلك الكيان السياسي الذي يجلس خلف المكاتب الكبيرة، أم أنها قد تتخفى في صور أخرى أكثر نعومة، وأشد تأثيراً؟

ربما لهذا السبب لم يحصر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو السلطة في السجن، أو المحكمة أو المؤسسة السياسية، لكنه رأى أنها شبكة من العلاقات، والخطابات تنتج ما نعتبره طبيعياً ومألوفاً، حتى يصبح الإنسان رقيباً على نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.

ولعل الحياة الثقافية ليست بعيدة عن هذه الآلية. ففي الظاهر، يبدو المشهد مفتوحاً للجميع: كتب تصدر، وأمسيات تقام، ومهرجانات تتكرر، وصور جماعية تتزين بها الصفحات الثقافية. لكن خلف هذا الحراك، يطل سؤال آخر: من الذي يملك حق الظهور؟ ومن الذي يقرر ما يستحق أن يُرى وما ينبغي أن يبقى في الظل؟

ليس المثقف هو من يجمع النصوص، أو يكتب المقدمات، أو يوثق التجارب، أو يقيم الاحتفاليات الثقافية. هذه أعمال جليلة، ولولاها لضاع كثير من الذاكرة الأدبية. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الذاكرة إلى دائرة مغلقة، وحين يصبح المشهد الثقافي مرآة لا تعكس إلا الوجوه ذاتها، حتى يخيل إلى المتابع أن الساحة الأدبية لم تنجب غير تلك الأسماء التي تتصدر الواجهة ذهاباً وإياباً.

فالمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي يقول في هذا الصدد: الجميع مثقفون، لكن ليس للجميع وظيفة المثقف في المجتمع، و بين الثقافة بوصفها معرفة، أو  رسالة ذات قيمة، مسافة كبيرة.

فالمثقف الحقيقي لا يقف عند باب المشهد الأدبي ليقرر من يدخل ومن يبقى خارجه، ولا يرى في الكاتب الجديد تهديداً لمكانته، لأن الإبداع لا ينمو بالاحتكار، بل بالحوار، ولا يزدهر بالعزلة، بل بتجاور التجارب واختلاف الأصوات.

المعضلة الحقيقية؛ حين يتحول المثقف إلى حارس للواجهة، فإن الأمر يتجاوز المجاملة الشخصية إلى صناعة سلطة ثقافية ناعمة. سلطة لا تمنع أحداً من الكتابة، لكنها لا ترى إلا من اعتادت رؤيته، ولا تسمع إلا الأصوات التي ألفتها، فتتكرر الأسماء نفسها، وتدور الدعوات، والتكريمات في الفلك ذاته، حتى يصبح التجاهل أكثر فاعلية من المنع، ويصبح الصمت نتيجة طبيعية لترتيب المشهد لا قراراً معلناً بإقصائه.

أما علي شريعتي يرى أن مهمة المثقف أن يمنح المجتمع وعيه بذاته. ولا يمكن لهذا الوعي أن يولد في بيئة تخشى السؤال، أو تضيق بالاختلاف، أو تكتفي بإعادة إنتاج ما هو قائم. فالثقافة الحية ليست متحفاً للأسماء الكبيرة، بل نهر يتجدد باستمرار، وكلما ظنت أنها اكتملت، بدأت في فقدان قدرتها على الحياة.

ليس في هذا انتقاص من حق المبدعين الذين صنعوا تجاربهم واستحقوا مكانتهم، فالأدب لا يقوم على نكران المنجزات، وإنما على البناء فوقها. لكن الخلل يبدأ حين تتحول المكانة إلى امتياز دائم، وحين يُنظر إلى الأصوات الجديدة بوصفها ضيوفاً على المشهد، لا شركاء في صناعته. عندها، لا يصبح السؤال: من يكتب نصاً جيداً؟

وإنما: من يعرف الطريق إلى المنصة؟

التاريخ الأدبي لا يمنحنا أمثلة قليلة على ذلك. فكثير من الكتاب الذين نعدهم اليوم علامات مضيئة، عاشوا زمناً طويلاً في الهامش، ولم يجدوا اعترافاً إلا بعد سنوات من التجاهل. ولعل الكاتب الفرنسي ألبير كامو كان يلمح إلى هذه المسؤولية حين رأى أن الكاتب لا يكون في خدمة الذين يصنعون التاريخ، بل في خدمة الذين يعيشون آلامه. فالكلمة، في جوهرها، ليست زينة للمشهد، ولا وسيلة لتجميل الواقع، هي محاولة دائمة لفهمه وكشف تناقضاته.

لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة؛ أن يتحول المثقف من فاتح للأبواب إلى حارس لها، وأن يقتنع بأن مهمته ليست اكتشاف الأصوات الجديدة، بل حماية الترتيب القائم. فالثقافة التي تضيق بأهلها، تضيق بمستقبلها أيضاً، والمشهد الذي يخاف من الوجوه الجديدة، إنما يعترف، من حيث لا يدري، بأنه فقد ثقته بنفسه.

تبقى الكلمة الحرة أبسط من كل هذا التعقيد. فهي لا تحتاج إلى منصة مرتفعة، ولا إلى إذن بالمرور، ولا إلى ختم يمنحها شرعية الوجود. يكفيها أن تكون صادقة. فالأبواب لم تُخلق للحراسة، والمثقف الحقيقي لم يُخلق لتوزيع الامتيازات لمن لا يستحق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…