شـــريف علي
لم يعد الرابع عشر من حزيران 1957 مجرد تاريخ لتأسيس أول حزب كوردي في سوريا، بل أصبح مرآة تعكس المسافة الهائلة بين جيلٍ أسّس مشروعاً سياسياً تحت القمع والملاحقة، وجيلٍ آخر ورث هذا المشروع ثم تركه يتآكل تحت وطأة الانقسامات، والحسابات الصغيرة، والارتهان للخارج . ما بدأ كحركة تحرر قومي تحلم بالحقوق والاعتراف، انتهى اليوم إلى فسيفساء متنافرة من الأحزاب والواجهات، كل منها يدعي تمثيل الشعب الكوردي، بينما الواقع يقول إن أحدا لم يعد يمثل سوى نفسه.
المفارقة المؤلمة أن الحركة التي ولِدت من رحم الحرمان والإنكار، والتي صمدت أمام الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي والسجون، لم تستطع الصمود أمام أمراضها الداخلية، تضخم الأنا، غياب الرؤية، وتحول السياسة إلى مهنة لا إلى التزام . لقد تحول العمل القومي إلى سوق مفتوح، تباع فيه المواقف وتشترى الولاءات، وتدار فيه التحالفات بمنطق – من يدفع أكثر – لا بمنطق -من يخدم القضية –
إن التشتت الذي تعيشه الحركة الكوردية اليوم ليس قدرا، بل نتيجة مباشرة لانحراف طويل عن المسار. فالأحزاب التي وُلدت من رحم “البارتي” تحولت إلى جزر معزولة، تتصارع على تمثيل شعبٍ لم يعد يثق بها، وتتنافس على مقاعد لا وزن لها، وتخوض معارك إعلامية لا تغير شيئا في الواقع. كل طرف يتحدث باسم ” المصلحة القومية “، بينما الحقيقة أن المصلحة الوحيدة التي يتم حمايتها هي مصلحة القيادات التي لا تتغير، ولا تتقاعد، ولا تتنازل.
أما الأخطر فهو الارتهان للخارج الكوردي فبدلاً من أن تكون الحركة الكوردية قوة مستقلة، أصبحت في كثير من الأحيان ورقة في يد القوى الإقليمية والدولية. بعض الأطراف باع قراره السياسي مقابل حماية أو دعم أو نفوذ ، وبعضها الآخر اختار الاصطفاف الأعمى خلف مشاريع لا علاقة لها بالمصلحة الكوردية. وهكذا تحوّل ” الانتماء القومي ” إلى شعار يرفع في البيانات ، بينما القرار الحقيقي يصاغ في عواصم ترى كوردستان مزارع خاصة لها .
لقد فقدت الحركة الكوردية في غرب كوردستان الكثير من رصيدها الأخلاقي والسياسي حين تحولت من مشروع تحرري إلى شبكة مصالح. لم يعد الخطاب القومي قادراً على إخفاء الترهل التنظيمي، ولا على تبرير العجز عن إنتاج رؤية سياسية موحدة. والأسوأ أن هذا الترهل يحدث في لحظة تاريخية كان يمكن للكورد فيها أن يكونوا رقماً صعباً في المعادلة السورية، لو امتلكوا الحد الأدنى من الوحدة والوضوح.
إن النقد هنا ليس من باب الترفع على الجركة، بل ضرورة . فالحركة التي لا تنتقد نفسها محكوم عليها بالجمود والانحلال. والجيل الجديد من الكورد، الذي نشأ في ظل الثورة والحرب والتحولات الكبرى، لم يعد يقبل الخطاب القديم، ولا الشعارات المستهلكة، ولا القيادات التي تتحدث باسم ” التاريخ ” بينما تعيش خارج الزمن. هذا الجيل يريد مشروعاً سياسياً حقيقياً، لا واجهات حزبية، ويريد رؤية تتجاوز الانقسام، لا بيانات تبرر استمرار الانقسام ، رؤية تعبرعن الطموحات و الحقوق المشروعة للشعب الكوردي .
إن استعادة روح 1957 لا تعني العودة إلى الماضي ، بل تعني العودة إلى المبدأ . أن السياسة التزام، وأن القضية أكبر من الأشخاص، وأن الكورد في سوريا يستحقون حركة سياسية بحجم تضحياتهم، لا حركة غارقة في الحسابات الصغيرة. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب التي لا تجد من يمثلها بصدق تبحث عن بدائل . وإذا لم تستطع الحركة الكوردية أن تعيد بناء نفسها، فإنها ستجد نفسها خارج المشهد، مهما رفعت من شعارات.
لقد آن الأوان لقول الحقيقة كما هي:
الحركة الكوردية السورية اليوم بحاجة إلى ثورة داخلية، ثورة على الترهل، على التشتت، على الانحراف، وعلى كل ما جعلها عاجزة عن أداء دورها. ، لماذا الانحراف عن التجربة البارزانية ؟ التجربة التي علمت الشعوب النضال ونحن نتباهى بها دون ان نتعلم منها .
لقد كان البارزاني الخالد يؤمن بأن الحق القومي لا يُساوَم عليه، وأن الهوية ليست موضوعاً للتفاوض . أما اليوم، فنرى أطرافاً كوردية تتعامل مع الهوية وكأنها ورقة سياسية يمكن تعديلها أو تخفيفها أو إعادة صياغتها بحسب الظروف . أو حتى التخلي عن اسم كوردستان ، نرى من يخجل من رفع العلم الكوردي، ومن يتردد في استخدام اللغة الكوردية، ومن يخشى إعلان موقف قومي واضح. هذا التراجع ليس براغماتية ، بل تخلٍّ عن الأساس الذي قامت عليه الحركة الكوردية منذ 1957 .
إن الواقع الكوردي السوري اليوم بحاجة إلى عودة صريحة وشجاعة إلى نهج البارزاني الخالد . عودة إلى الإيمان بالحق القومي غير القابل للمساومة. عودة إلى التمسك بالهوية مهما كانت التضحيات . العودة إلى القاعدة الجماهيرية الوفية لنهج الكوردايتي ، وتم استبعادها لانها قالت لا للانحراف ، عودة إلى الوحدة . عودة إلى الكوردايتي بمعناها الأخلاقي قبل السياسي.
فالقضية التي صمدت أمام الأنظمة القمعية لا يجوز أن تنهزم أمام ضعف أبنائها. والشعب الذي قدّم الشهداء لا يستحق حركة سياسية مترهلة ، بل حركة بحجم تضحياته. والنهج الذي أثبت عبر عقود أنه الأكثر ثباتاً وقدرة على حماية الهوية هو نهج بارزاني، لا نهج التشتت والانحراف .
إن العودة إلى هذا النهج ليست عودة إلى الماضي ، بل عودة إلى الأساس .فالأمم التي تنحرف عن جذورها تفقد قوتها، والأحزاب التي تتخلى عن مبادئها تفقد شرعيتها . أما الحركة التي تعود إلى نهج البارزاني الخالد ، فستستعيد دورها، وثقة شعبها، ومكانتها في التاريخ .
==========================
14 /6/2026