رحلة من ثلاثة محطات تختزل قرنا من معاناة الكردي السوري

صلاح بدرالدين

  اقامتي – البيروتية –  الاختيارية – الاضطرارية ، التي ناهزت العشرة أعوام من بداية سبعينات القرن الماضي ، وحتى المغادرة ” الاضطرارية ” أيضا خريف عام ١٩٨٣ ، بعد الاجتياح الإسرائيلي ، ومحاصرة بيروت ، تلخصان نموذجا لحالة المناضل السياسي الكردي السوري  – الضائع – في  بحر تتلاطم فيه الأمواج من كل حدب وصوب في شرقنا المستبد  ، وأنظمته التي لاترحم ، الباحث مبكرا عن الحرية ، والأمان ، والحياة الطبيعية للإنسان ، متنقلا من ساحة الى  أخرى  ينتظر قدره من دون ارادته بل انتظارا لنتائج فعل الآخرين ، هكذا كتب عليه الى يومنا هذا .

  التواصل الكردي السوري الإنساني ، والسياسي مع الساحة اللبنانية قديمة ، وأبرز وقائعه استكمال مؤتمر حركة – خويبون – في صوفر بجبل لبنان عام ١٩٢٧ بعد انجاز الشق الأول في القامشلي بمنزل – قدور بك – وكذلك نشاطات البدرخانيين ، والاصدارات الثقافية الكردية ، واطلالات الشخصيات الكردية المعروفة بتوجهها القومي على بيروت ، جنبا الى جنب توافد الجماعات الكردية المهاجرة من تركيا ثم سوريا لاسباب معيشية وسياسية ، لتصبح جزء من الايدي العاملة في الدورة الاقتصادية للشعب اللبناني المتحضر المنتج ،  والمنفتح .

  منذ انبثاق ( البارتي الديموقراطي الكردي اليساري ) عام ١٩٦٥ ، كان له امتداد تنظيمي بين أوساط الجالية الكردية اللبنانية ، وقد تعزز موقعه أكثر بعد تواجد بعض المسؤولين من الحزب هناك وكنت من بينهم ، وقد كانت لي زيارات منذ عام ١٩٦٥ ، بمهام حزبية وعبر طرق التهريب ،  من بينها استحداث ختم الحزب ، عبر المسؤول الأول لمنظمة حزبنا في لبنان آنذاك حيث رحل عنا منذ أعوام .

   المحطة الأولى – لم استقر ببيروت كسائح بل كمناضل سياسي مطلوب من نظام بلاده ، وملاحق ، تسمح قوانين البلد المضيف لبنان بحرية الرأي ، وتكفل الحماية ، وبعد نشوب الحرب الاهلية بعد وصولي بعدة أعوام كنا جزء من الحركة الوطنية اللبنانية ، وشريكا نضاليا  لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وهو امر لم نخطط له ، بل أصبح امرا واقعا  ، بالرغم من ان ذلك التموضع الجديد  لم يكن مناقضا لنهجنا السياسي العام .

  المحطة الثانية – بعد الاجتياح الاسرائلي عام ١٩٨٢ ، ثم حصار بيروت ، ومغادرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها اثر صفقة دولية ، كان علي الرحيل ولكنني أخرت ذلك نحو عام من أجل ترتيب بعض الأمور وبشكل أخص تامين اخراج أشقائنا من ممثلي الحركات الكردية من ايران ، وتركيا أي نحو خمسة عشر فردا كانوا بضيافتنا منذ أعوام ، ونجحت في توديع الجميع بامان ثم جاء دوري وكان ذلك عام ١٩٨٣ ، ونجح الرفاق في تامين جواز سفر لبناني لاحد رفاقنا الذي لم يسافر بكل حياته واستطاعوا بمساعدة رفاقنا اللبنانيين من وضع صورتي على الجواز وبطاقة الهوية بشكل شبه رسمي ، ثم هيأوا عائلة من رفاقنا الكرد السوريين يحملون وثائق لبنانية ( زوج وزوجة وطفل صغير ) ومضينا معا بسيارة اجرة يقودها صديق باتجاه الحدود السورية وعلينا ان نجتاز حواجز للكتائب اللبنانية ، ثم الحاجز الإسرائيلي قبل ظهر البيدر ، اصبنا بالهلع امام الحاجز الكتائبي فاوقفنا وتفقد وثائقنا ومررنا بسلام ، وهنا اعترف انني وصحبي لم نشعر بتلك الرهبة امام الحاجز الاسرائيلي  ولم يوقفنا حتى فقط نظرة عابرة وايماءة بالمرور ، كما يفعل مع الالاف الاخرين من غيرنا ، علما ان الإسرائيلي الذي احتل لبنان وحاصر بيروت كان سببا في مغادرتنا  .

  المحطة الثالثة – كانت جموع هائلة تتوجه الى سوريا ، وكان الحاجز السوري الأول بعد معبر المصنع الحدودي الذي يختم الجوازات من مفرزة المخابرات السورية ، وهناك تضاعف خوفنا اكثر من الهلع من الحاجز الكتائبي ، خاصة وان صحبي كانوا يخشون علي ، ومن المؤكد ماكانوا يتمنون بقرارة انفسهم  ان أكون معهم بتلك اللحظات الفارقة ، كنت احمل معي جهاز راديو ترانزيستور صغير وحديث وبمجرد ان وقع عين الضابط الأمني عليه حتى نسي التدقيق الأمني وركز على الراديو بالقول انه جميل ، الاتريد بيعه ، فناولته وقلت تفضل هدية لك ، فشكرني واخذ الراديو ثم ناولني على مااعتقد مايعادل عشرة دولارات فرفضت والح هو ورماها داخل السيارة .

 تابعنا سيرنا نحو دمشق وكاننا خلقنا من جديد ، ولم نصدق كيف نجونا من ثلاثة حواجز متناقضة ومتعددة الانتماءات ، والولاءات ، والعقائد ولكن تجمعها معاداة المناضل الكردي السوري الضائع بين ارادات وصراعات الاخرين ، وحروبهم البينية ، وهو لايملك ارادته ولاقرارات السلم والحرب ، والإقامة ، والمرور  .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…

شادي حاجي تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي رافقت قيام الدولة سوريا الحديثة منذ عشرينات القرن المنصرم خلال الاستعمار الفرنسي، لا يمكن من خلالها القفز فوق الحقائق المثبتة بوقائع الأحداث؛ الا وهي مشاركة الشعب الكُردي جميع المكونات السورية فكرة بناء وتأسيس الدولة السورية الحديثة، ولطالما حاول نظام البعث المنطلق من مبادئه…

تتابع الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق بالغ وإدانة شديدة استمرار الاعتداءات والقصف الذي يتعرض له إقليم كوردستان العراق، ولا سيما المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين الكرد من شرق كردستان، على يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، في انتهاك صارخ لسيادة جمهورية العراق والقانون الدولي، واستهدافٍ مباشر للمدنيين واللاجئين. إن هذه الهجمات، التي تطال إقليماً شكّل ملاذاً آمناً…