القادمين من الجبال… والخراب الذي تركوه

خليل عبدالقادر

Kalil Kader

غير صالح للنشر!

تحدث معي اليوم، بالضبط قبل نصف ساعة صديق قديم من القامشلي، “آبوجي” حيشاكم منذ عام 1982، رجل أعرف صدقه أكثر مما أعرف وجهي في المرآة، تقاسمنا مساندة أفكارهم في البداية وكنّا نتناقش حينها في مرحلة الفوران لدى الشباب ومسألأة زبل اليسار الثوري . لأول مرة شعرت أنه يتكلم بلا شعارات، بلا أناشيد، بدون ذلك الصوت الخشبي الذي استهلك أرواح جيل كامل من شباب الكرد الذين لو تركوا على مقاعد الدراسة في الجامعات لرفدوا المجتمع الكردي بخبرات هائلة.

قال لي:

“خليل، أنت تعرفني… ولا قدرة لدي على الشفاء من هذا المرض اللعين. صرعونا بكردستان سوريا وروجافا وأخوّة الشعوب وإمكانية العيش المشترك، جعلوا كل شيء يبدو مثل الحلاوة بالجبنة. كان لدينا مئة ألف مقاتل، وجيش من المحللين والكتّاب والشعراء والزنادقة والزبالقة والملاحفة ومصففي الكلمات الثوريّة، وأنت تعرف معظمهم، وبعضهم يعيش على مقربة منك في أوروبا”.

ثم صمت قليلاً وأكمل بصوت متعب:

“تضاءلت قوتهم لأنه ليست لديهم حاضنة شعبيّة، سوى الذين كانوا يبحثون عن جرّة الغاز ورغيف الخبز وبعض ليترات من المازوت في شتاءاتنا القاسيّة ،لأنهم كانوا مجرد أدوات ضمن لعبة أكبر منهم. لا حاجة أن أروي لك ما حدث في القامشلي والحسكة وعامودا وعفرين ورأس العين وكوباني… أنت تعرف. لديهم إعلام يصرفون عليه ملايين الدولارات، أموال جُمعت باسم النضال، وباسم السركفتن والريخستن والكفتلفت وبناء السيستيم، بينما الناس كانت تزداد فقراً وخوفاً كل يوم ولم يكن أحد يتجرأ عن الحديث عما يدور في عمق المجتمع الكردي من فساد أخجل أن أسردها لك”.

كان يتكلم كمن يخلع جلده ببطء، ولديه رغبة بالتقيؤ.

قال إن القادمين من الجبال حملوا معهم قسوة الحرب إلى المجتمع الكردي السوري، المسالم الذي لم يرى ويسمع عن الدم إلاّ في الكتب،وتحولت السياسة بسببهم شيئاً فشيئاً إلى منظومة مغلقة لا ترى الناس إلا كوقود لمشروعهم العبثي. ثم أطلق جملة بدت وكأنها خلاصة عمر كامل:

“هم مجرد مؤسسات إعلامية… مثل أفلام الرعب، حين تتوقف الموسيقى ينكشف كل شيء”.

ضحك ضحكة قصيرة ومرة:

“أوصلونا من شعار: كلنا قسد… إلى شعار أكثر حداثة: كلنا خرا”.

بعدها بكى. نعم، بكى مثل ذئب جريح أنهكته المطاردات الطويلة. ثم أغلق الماسنجر فجأة، وبقي صوته معلقاً في رأسي.

فكرت طويلاً بعد المكالمة:

كم من الناس في هذه البلاد عاشوا داخل فكرة حتى صارت الفكرة وطناً بديلاً لهم وحذاءاً ضيقاً توجع أقدامهم، وكم من الحركات التي على شاكلتهم التي بدأت بشعارات الحريّة، انتهت إلى أجهزة وإعلام ودكاكين مافيا ومال وخوف وتخوين لكل من يختلف معهم؟

المأساة ليست فقط في سقوط المشاريع الكبرى، بل في ذلك الخراب الداخلي الذي يصيب البشر حين يكتشفون متأخرين أن أعمارهم ذهبت في خدمة أوهام أكبر منهم جميعاً وعليهم أن يتعلموا ممارسة الندم من جديد.

 

https://www.facebook.com/kalil.kader.9/posts

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي