تركيا أمام مفترق الطرق

حسن قاسم
تعيش تركيا اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، حيث تتداخل الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية لتضع الدولة التركية أمام تحديات قد تعيد رسم موقعها ودورها في المنطقة.
داخلياً، يتصاعد الصراع السياسي بصورة غير مسبوقة بين السلطة والمعارضة، خصوصاً مع الضغوط المتزايدة على حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، ومحاولات الطعن بشرعية مؤتمره الأخير، في خطوة تكشف حجم القلق الذي يعيشه النظام الحاكم من أي تحوّل سياسي محتمل داخل الشارع التركي. هذا الاحتقان السياسي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الذي يعاني أساساً من التضخم وتراجع الثقة بالعملة الوطنية، فحتى ضخ مليارات الدولارات في البنك المركزي لم يعد كافياً لطمأنة الأسواق في ظل غياب الاستقرار السياسي.
أما القضية الكوردية، فما تزال تمثل العقدة التاريخية الأكبر أمام الدولة التركية. فالمحاولات الجارية لاحتواء أو دمج مسلحي حزب العمال الكوردستاني لا تبدو، بنظر قطاع واسع من الشارع الكوردي، سوى محاولة لتمييع القضية القومية وحصرها في مطالب ثقافية وإدارية هامشية، بعيداً عن جوهر القضية المرتبط بالاعتراف الدستوري بالهوية القومية للشعب الكوردي وحقوقه الوطنية. لذلك يتنامى انعدام الثقة بين الكورد والائتلاف الحاكم، وسط شعور متزايد بأن الدولة العميقة التركية ما تزال تتحكم بمسار الحلول المطروحة.
إقليمياً، تبدو تركيا أكثر قلقاً من أي وقت مضى. ففي سوريا، تواجه أنقرة واقعاً معقداً مع احتمال انفتاح الحكومة الانتقالية على تفاهمات سياسية وأمنية مع إسرائيل، وهو ما تعتبره تركيا تهديداً مباشراً لنفوذها داخل الساحة السورية. كما أن أي تقارب أمريكي ـ إسرائيلي في إدارة الملف السوري قد يفتح الباب مجدداً أمام تعزيز الدور الكوردي، الأمر الذي تعتبره أنقرة خطاً أحمر.
وفي سياق أوسع، فإن احتمالات التصعيد الأمريكي ـ الإيراني تثير مخاوف تركية كبيرة، خصوصاً أن كثيراً من التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة أو لإضعاف إيران قد يمنح الكورد دوراً محورياً في المعادلات الجديدة، سواء في العراق أو سوريا أو حتى داخل إيران نفسها. وهذا السيناريو يمثل هاجساً دائماً للحكومة التركية التي تخشى قيام أي كيان كوردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها.
إلى جانب ذلك، تواجه تركيا ضغوطاً متزايدة في شرق المتوسط، مع تنامي النفوذ الإسرائيلي واليوناني، والخلافات حول الغاز والطاقة، ومستقبل قبرص الشمالية، فضلاً عن المشاريع الجيوسياسية الجديدة التي تهدد موقع تركيا كممر استراتيجي في المنطقة.
كل هذه الملفات تضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: هل تواصل التنسيق العميق مع إسرائيل بما قد يؤدي إلى تصادم أكبر مع تركيا؟ أم تحافظ على علاقتها الاستراتيجية مع أنقرة باعتبارها عضواً مهماً في حلف الناتو؟
ورغم خطورة المشهد، فإن الحديث عن تقسيم تركيا ما يزال سابقاً لأوانه، إلا أن المؤكد أن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” يعيد فتح ملفات الحدود والهويات والقوميات من جديد، وتركيا لن تكون بمنأى عن تداعيات هذه التحولات الكبرى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أكرم محمد تقع مدينة القامشلي، المعروفة محلياً باسم «قامشلو»، في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، وهي تمثل جغرافياً جزءاً لا يتجزأ من منطقة «الجزيرة العليا»، التي شكّلت عبر العصور امتداداً طبيعياً وعمقاً حيوياً للمجال الجغرافي والاجتماعي الكردستاني. إن دراسة تاريخ هذه المنطقة، والتدقيق في وثائقها ومراجعها المتنوعة، يكشفان عن تداخل وثيق بين أصالة الهوية الأرضية والعشائرية للكرد، وبين التحولات العمرانية والسياسية…

شادي حاجي تعيش سوريا مرحلة انتقالية مفصلية يعاد خلالها تشكيل مؤسسات الدولة وصياغة قواعدها الدستورية والقانونية. وفي هذه المرحلة، ينبغي للأعضاء الكرد في مجلس الشعب، رغم عدم انتخابهم مباشرة من الشعب، ألا ينظروا إلى وجودهم باعتباره مجرد تمثيل للكرد، بل فرصة تاريخية للمساهمة في صياغة دستور جديد لسوريا. القضية الكردية في سوريا ليست قضية لغة وثقافة فحسب، ولا ينبغي…

صديق شرنخي عقد الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، يوم الأحد 23 آب/أغسطس 2026، مؤتمره الثالث في مدينة إيسن- ألمانيا، بشكل فيزيائي وافتراضي في آن، حيث حضر بعض الأعضاء قاعة المؤتمر، في الوقت الذي شارك آخرون عبر منصة ال «زووم» من الوطن والشتات: أوربا- أمريكا أ. افتتحت أعمال المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء والزملاء والزميلات الكتّاب الراحلين…

صديق ملا الشعب الكردي ومعه كافة القوميات والطوائف والقوى السياسية الديمقراطية والمذاهب المختلفة بحاجة إلى ضمانات دستورية وسياسة واضحة، وإشراك كل السوريين في رسم سياسة البلاد…… ذلك لأن سورية تعيش اليوم حالة ووضع استثنائي وصعب جداً وسيء ليس فقط في حماية مواطنيها وتلبية متطلباتهم المعيشية واحترام خصوصياتهم السياسية والمدنية. بل أن السياسة التي تتبعها هذه الحكومة المؤقتة لم تعد سيادية،…