مجلس الشعب بين التمثيل الحقيقي والاختيار المفروض

مسلم شيخ حسن- كوباني

 

إن نجاح لأي نظام سياسي أو مؤسسة عامة لايمكن أن تنجح دون الإرادة الحقيقية للشعب، فالشعب هو مصدر الشرعية وركيزة الاستقرار. وقد أثبتت التجارب السياسية والتاريخية في مختلف دول العالم أن أي مشروع يبنى بعيداً عن رغبات الشعب ومطالبه أو يفرض عليه دون مشاركته الحقيقية، هو هش بطبيعته وعرضة للفشل مهما بلغت قوته وتأييده.

من هذا المنطلق، يتطلب بناء المؤسسات الوطنية ولا سيما المؤسسات التشريعية التي يفترض أن تمثل إرادة المواطنين، يحتاج إلى أسس ديمقراطية راسخة تقوم على الشفافية والانتخابات الحرة والتعبير الحقيقي عن إرادة المجتمع. إن مجالس الشعب والبرلمانات ليست مجرد هياكل رسمية بل هي مؤسسات مصممة لنقل هموم الشعب وحماية حقوقه والتعبير عن رغباته وتطلعاته.

وفي هذا السياق، فإن الطريقة التي اتبعتها الحكومة الانتقالية في دمشق لاختيار ممثلي الشعب في مجلس الشعب السوري تثير الكثير من علامات الاستفهام، لأنها جاءت بعيدة عن المعايير الديمقراطية وآليات الانتخابات المعروفة والمتعارف عليها عالمياً. إذ تم اللجوء إلى أساليب لا تنسجم مع روح الديمقراطية الحديثة ولا تمنح المواطنين فرصة حقيقية لاختيار من يمثلهم بحرية وشفافية، الأمر الذي يضعف الثقة بالعملية السياسية برمتها.

تفقد أي عملية تمثيل شعبي قيمتها عندما لا توخذ إرادة الشعب بعين الاعتبار، أو عندما تتحول العملية الانتخابية إلى لعبة بعيدة كل البعد عن المشاركة الحقيقية للشعب. فالديمقراطية لا تقتصر على بناء المؤسسات السياسية فحسب بل هي، قبل كل شيء، احترام إرادة المجتمع وإشراكه في صنع القرار ومنحه الحق في اختيار ممثليه بنزاهة وعدل.

إضافة إلى ذلك، تبرز مشكلة لا تقل خطورة ترشيح أشخاص لا يملكون الكفاءة المطلوبة لتحمل مسؤولية تمثيل الشعب والدفاع عن قضاياه. فمنصب البرلمان ليس منصباً شرفياً أو امتيازاً سياسياً بل هو مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب خبرة ومهارات وقدرة على فهم الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع.

علاوة على ذلك، فإن ترشيح أشخاص عاشوا في الخارج لسنوات ولم يعايشوا الظروف القاسية التي مر بها المواطنون يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرتهم على التعبير الحقيقي عن معاناة الشعب واحتياجاتهم . فمن لم يشارك الشعب معاناته اليومية ولم يشهد أزماته وصعوباته، سيكون من الصعب عليه أن ينقل صوتهم بصدق أو الدفاع عن حقوقهم بالشكل المطلوب.

إن التمثيل الحقيقي لا يتحقق بالألقاب أو المناصب بل بالتقرب من الشعب وفهم همومه والعيش معه والشعور بآلامه. لذا، فإن انتخاب مرشحين بعيدين عن الواقع أو يفتقرون إلى الكفاءة والخبرة يعد خطأً سياسياً جسيماً يؤثر سلباً على ثقة المجتمع بالمؤسسات ويزيد من حالة الإحباط وفقدان الأمل في التغيير الحقيقي.

وفي النهاية، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة مستقرة ومؤسسات قوية، يجب أن ينطلق من احترام إرادة الشعب وأن يعتمد على الكفاءات الوطنية القادرة على تمثيل الناس بأمانة ومسؤولية. فالشعوب لا تبحث عن ممثلين شكليين فحسب بل عن أفراد يعبرون عن آلامها ويدافعون عن حقوقها بإخلاص وتضحية. ومن دون ذلك، تظل أي عملية سياسية غير مكتملة وتبقى المؤسسات بعيدة عن تحقيق غايتها الحقيقية.

 

22 / 5 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجار أمين في الرابع عشر من حزيران 1957، انطلقت شرارة التنظيم السياسي الحديث للحركة الكوردية في سوريا، حين تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، لم يكن مجرد حزب يمر مرور الكرام، بل كان تجسيداً لإرادة شعب رفض التهميش والإنكار، وقرر أن يصنع تاريخه بيديه. اليوم، ونحن نحيي الذكرى 69، نقف بإجلال أمام كل المناضلين الذين آثروا كفاحهم على راحتهم، وساروا…

فيصل اسماعيل الحرب الأمريكية على إيران، وحسابات القوى الكبرى، ومستقبل المشروع الوطني الكوردي في شرق أوسط يُعاد تشكيله من جديد إن الخطر على الكورد لا يكمن فقط في نتائج الحرب، بل في أن تُصنع التحولات القادمة وهم منقسمون. فحين تتصارع الإمبراطوريات، تصبح وحدة الموقف الوطني الكوردي أهم من أي وقت مضى. ما يجري اليوم في المنطقة يتجاوز كونه مواجهة…

ماهين شيخاني   في الرابع عشر من حزيران، تحل علينا الذكرى التاسعة والستون لتأسيس أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا. تسعة وستون عاماً من الكفاح، والعذابات، والسجون، والتضحيات. وسبعة وستون عاماً من الانكسارات التي لم تكسر الهمة، والانتصارات التي لم تدم طويلاً. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة في تاريخ سوريا: لماذا، بعد…

د . مرشد اليوسف يتناول هذا التحليل حالة الإحباط الشعبي الكردي في إقليم روجافا (شمال وشرق سوريا) من الأداء الحزبي، حيث يتجاوز عدد الأحزاب الكردية المئة حزب دون أن يُحدث ذلك اختراقاً مهما في تحقيق الأهداف القومية أو تحسين حياة المواطن. ومع سقوط نظام الأسد في دمشق، يواجه الكرد استحقاقات كبرى تتطلب مقاربة جديدة . وهذه المقالة تطرح سردية…