علي شمدين
الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)، تهدد بإشعال نيران الفتنة بين المكونات الوطنية في أية لحظة، ولن يبقى النظام أيضاً محمياً من نيرانها إن لم يبادر إلى إطفائها، يؤكد ما نقول، مع الأسف الشديد.
فمنذ انهيار النظام البعثي وفرار بشار الأسد، وتسلُّم هيئة تحرير الشام زمام السلطة في البلاد، والأمور تسير باتجاه فرض اللون الواحد على إدارة البلاد، وتثبيت النظام المركزي، وتركيز جميع الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية المؤقت، الأمر الذي يؤدي إلى إجهاض الطموحات التي خرج الشعب السوري، بمختلف مكوناته القومية والدينية، إلى الشوارع بصدور عارية مطالباً بالحرية والكرامة.
فقد بدأ هذا التنظيم، وبدعم دولي وإقليمي واسع، عهده بتشكيل حكومة من لونه، وصياغة إعلان دستوري على مقاسه، وتنصيب زعيمه رئيساً مؤقتاً للبلاد ومنحه مطلق الصلاحيات في إدارة شؤونها من خارج الأطر والمؤسسات الشرعية المعروفة، إلى حد أنه حدد بنفسه آليات تشكيل البرلمان المؤقت، وتعيين أعضائه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، متجاهلاً التمثيل الحقيقي للمكونات الأساسية التي يتشكل منها النسيج الوطني، وخاصة الشعب الكردي كثاني أكبر مكون قومي في البلاد، الذي عانى إقصاءً صارماً واضطهاداً مزدوجاً طوال حكم البعث الأسود، وقدم تضحيات عظيمة من أجل تحرير وطنه من الديكتاتورية والاستبداد، وتطهيره من آفة الإرهاب والعنف.
لا شك أن الحركة الكردية في سوريا، بمختلف اتجاهاتها السياسية، قد استبشرت خيراً بسقوط النظام السابق، وأبدت استعدادها الكامل للتعامل مع الأمر الواقع الذي فرض هذا النوع من الحكم المؤقت. وقد بلغ هذا الاستعداد ذروته في (26 نيسان 2025)، عندما عقدت جميع الأحزاب والمنظمات السياسية والفعاليات الثقافية والشخصيات الاجتماعية كونفرانسها التاريخي في مدينة القامشلي، تحت عنوان: (وحدة الصف والموقف الكردي في سوريا)، بحضور ممثلي الأحزاب الكردستانية وممثل التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبدعم واسع من الشارع الكردي والكردستاني، والذي خرج بوثيقة مشتركة تضمّنت الرؤية الكردية لحل المسألة الوطنية والقومية في البلاد، كما انبثق عنه وفدٌ مخوّل بالحوار مع الحكومة المؤقتة، بهدف حل القضية الكردية من خلال الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا.
إلّا أن الحكومة المؤقتة في دمشق، وانطلاقاً من عقليته االرافضة لمنطق التنوع والشراكة في إدارة البلاد، لم تكتفِ بعدم استقبال الوفد الكردي المشترك المتحصن بشرعيته القومية، بل بدأت تبذل كل جهدها من أجل تفتيت هذا الوفد من خلال استقبالها أطرافه بشكل منفرد، ودفعها نحو فخّ المكاسب الحزبية والشخصية الضيقة. وقد انطلت، مع الأسف الشديد، هذه اللعبة، بوعي أو من دونه، على بعض هذه الأطراف، التي تسببت عملياً في تجميد عمل الوفد الكردي، وتجاوزت مخرجات الكونفرانس الكردي، وانشغلت بالتنافس فيما بينها حول عضوية البرلمان المؤقت وبعض المناصب الإدارية والوظيفية التي، ورغم أهميتها، لا تمثل جوهر القضية القومية التي ناضل من أجلها الشعب الكردي لما يقارب سبعة عقود، وضحى في سبيلها بالغالي والنفيس.
الأمر الذي يعيد الأوضاع إلى ما قبل سقوط البعث، ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام خطاب الكراهية والتحريض القومي والطائفي، لتنفلت تلك الاتجاهات العنصرية والشوفينية الحاقدة على التنوع والعيش المشترك من عقالها، وتعود الجماعات الإرهابية وخلاياها النائمة لتبدأ دورة العنف من جديد في البلاد. ولا شك أن الخيام التي تُنصب اليوم في وضح النهار أمام أنظار الحكومة المؤقتة في المناطق الكردية، وتدعو إلى الحرب علناً، وينعق فيها البوم، إنما تنذر بكارثة حقيقية، ما لم تسارع هذه الحكومة الى الدعوة لفتح باب الحوار والمصالحة الوطنية، وذلك من خلال عقد مؤتمر وطني شامل تحت خيمة الوطن التي لا بد لها أن تتسع الجميع من دون إقصاء أو تهميش، وخاصة أمام ممثلي الشعب الكردي الحقيقيين، ليتمخض عنه دستور عصري يضمن حقوق الجميع في ظل نظام ديمقراطي تعددي لامركزي بعيداً عن الظلم والقهر والاستبداد.
24 تموز 2026