فرشاة أوجلان… وألوان الدولة التركية

عاكف حسن
المفارقة الكبرى في الخطاب الأبوجي اليوم أنه لم يعد يهاجم فقط فكرة الدولة الكردية، بل أصبح يهاجم فكرة الدولة القومية من أساسها، وكأن وجود دولة تعبّر عن هوية شعب أو تحمي مصالحه جريمة تاريخية يجب التخلص منها.
لكن السؤال الذي لا يجيبون عنه أبداً: إذا كانت الدولة القومية شراً مطلقاً، فلماذا لا يطلبون من الأتراك أو الفرس أو العرب أو السويديين التخلي عن دولهم أيضاً؟ ولماذا يصبح هذا “الوعي الفلسفي المتقدم” مطلوباً فقط من الكرد؟
أي فلسفة هذه التي تقول للكردي:
لا تحلم بدولة لك، لا تطالب بسيادة، لا تفكر بمشروع قومي، بل اندمج في الدول التي تحكمك واخدمها تحت عناوين “الأخوة” و”الديمقراطية” و”التعايش”؟
وكأن كل شعوب الأرض من حقها أن تمتلك دولة ومؤسسات وحدوداً ومصالح قومية، إلا الكرد، المطلوب منهم فقط أن يكونوا شعباً بلا سقف سياسي واضح.
ثم لننظر إلى بيت القصيد في هذه اللوحة كلها:
اللوحة تُرسم بفرشاة أوجلان، نعم، لكن بألوان الدولة التركية نفسها.
هذا هو جوهر التناقض الذي يحاولون تغطيته بسيل من المصطلحات الفلسفية.
الدولة التركية تحدد الإطار، تضع الحدود السياسية الممكنة، ثم يأتي الخطاب الأبوجي ليعيد تزيين هذه الحدود وتقديمها كأنها “تحول تاريخي” و”وعي جديد”.
والمريد يردد الأسطوانة نفسها بلا خجل، وكأن الناس فقدت القدرة على رؤية التناقض الواضح أمامها.
هل الولايات المتحدة مشروع فاشل؟
هل ألمانيا، السويد، فرنسا، اليابان، وكل دول العالم مجرد أوهام قومية متخلفة؟
إذا كانت الدولة القومية بهذا السوء، فلماذا يهرب الملايين نحو هذه الدول تحديداً؟ ولماذا تُبنى القوة والاقتصاد والقانون والاستقرار داخل مؤسسات الدول لا خارجها؟
المشكلة ليست في نقد القومية المتطرفة، فهذا أمر طبيعي ومشروع، بل في تمييع فكرة الحق القومي للكرد إلى درجة تحويل أي حديث عن دولة أو سيادة إلى تهمة فكرية.
وهنا يصبح الخطاب الأبوجي أشبه بحالة تفكيك نفسي للوعي الكردي:
إقناع شعب تعرّض للتقسيم والإنكار والقمع لعقود بأن مشكلته ليست غياب دولته، بل مجرد “سوء فهم فلسفي” لفكرة الدولة نفسها!
والأخطر أن هذا الطرح لا يُنتج بديلاً حقيقياً.
ففي النهاية، عندما تُلغى فكرة الدولة الكردية، ماذا يبقى؟
الجواب العملي واضح: البقاء داخل الدول القائمة والخدمة ضمن أنظمتها السياسية والأمنية والاقتصادية، مع تغليف ذلك بشعارات ثورية فضفاضة.
لهذا يبدو المشهد أحياناً وكأنه عملية إعادة توجيه كاملة للطاقة الكردية:
من مشروع يبحث عن تقرير المصير، إلى مشروع يطلب من الكردي أن يتصالح نهائياً مع واقع الهيمنة، ثم يعتبر هذا التصالح قمة النضج السياسي.
هنا بالضبط يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي:
هل المطلوب تطوير المشروع القومي الكردي؟
أم دفنه فلسفياً تحت سيل من المصطلحات التي تبدو عميقة، لكنها عملياً تنتهي دائماً عند النتيجة نفسها:

كرد بلا دولة، بلا سيادة، وبلا مشروع سياسي واضح المعالم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

روني علي وقفة .. مازال لدى الكوردي المنتمي إلى هويته بعض الوقت لأن يتحرر من أوهام كانت من ارهاصات الموت السوري .. فقد تم الدفع به ليكون سياجا لنظام طاغ والآن يتم الدفع به ليكون جسر الترويض لنظام لا ندرك كنهه .. كل ما ندركه أنه مدفوع الثمن من جانب مراكز القرار الدولية منها والإقليمية .. لن يكون للكوردي أية…

أمين كلين   ياسادة الافاضل : سياسة التغير الديموغرافي التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وبدون استثناء بحق الشعب الكردي ، كانت تستهدف نقل عائلات علوية ودرزية الى الجزيرة ونفذها الوزير مصطفى حمدون في الخمسينيات القرن الماضي ( والذي لم يصدق فاليذهب الى ديريك ثم الدجلة … ) ثم تغير اسماء البلدات والقرى الكردية وتعريبها ، مثلا قريتي : كندى شيخ…

د. محمود عباس قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق…

إدريس سالم   تُعدّ ظاهرة «التغيير الديمغرافي الفكري» واحدة من أعقد العمليات السياسية، التي أعادت صياغة «الوعي الجمعي الكوردي» بعيداً عن امتداده التاريخي التقليدي، إذ استهدفت استبدال المنظومات القيمية والسياسية الموروثة بكتل فكرية مؤدلجة وسرطانية عابرة للحدود، ليمثل غزواً ناعماً يتجاوز الصراع العسكري، ويطال الخرائط الذهنية للمجتمع، حيث جرى إفراغ المناطق من هويتها السياسية التعددية وحشوها بأيديولوجيات شمولية تخدم مشاريع…