حسن قاسم
بمناسبة الذكرى العاشرة لانطلاقة قوى المجتمع المدني الكوردستاني، نتوجه بأسمى آيات المحبة والتقدير والوفاء لكل من ساهم في تأسيس هذا الإطار الوطني الذي انطلق على أسس علمية ووطنية راسخة، واضعاً نصب عينيه الدفاع عن الثوابت القومية لشعبنا الكوردي، واعتبارها خطوطاً حمراء لا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الضغوط.
لقد جاءت ولادة قوى المجتمع المدني الكوردستاني في مرحلة دقيقة من تاريخ شعبنا، مرحلة كانت تتطلب وجود إطار مجتمعي واعٍ يمتلك رؤية قومية واضحة، ويعمل على تنظيم طاقات المجتمع وتوجيهها نحو خدمة القضية الكوردية والدفاع عن الحقوق المشروعة لشعبنا في الحرية والاستقلال والعيش الكريم. ومنذ انطلاقتها، أثبتت هذه القوى أنها ليست مجرد تجمع مدني عابر، بل مشروع وطني حمل هموم الناس وآمالهم، وسعى إلى ترسيخ ثقافة العمل المؤسساتي والتشاركي، وربط النضال المجتمعي بالمشروع القومي الكوردستاني العام.
على مدى عشر سنوات، عملت قوى المجتمع المدني الكوردستاني بإخلاص ومثابرة لرفع راية كوردستان في مختلف المحافل المحلية والإقليمية والدولية، وشاركت في العديد من النشاطات والفعاليات التي عرّفت بعدالة القضية الكوردية، ودافعت عن حقوق شعبنا السياسية والثقافية واللغوية والإنسانية. كما لعبت دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين القوى الوطنية، وتعزيز حالة الحوار المجتمعي، وترسيخ مبادئ التعايش والديمقراطية واحترام التعددية.
لقد اعتبرت قوى المجتمع المدني الكوردستاني نفسها الجناح المجتمعي للمشروع القومي الكوردستاني، إلى جانب الجناح السياسي المتمثل بالحركة السياسية الوطنية الكوردية، إيماناً منها بأن أي مشروع قومي لا يمكن أن ينجح من دون حاضنة مجتمعية واعية ومنظمة وقادرة على الدفاع عنه وترسيخه في وعي الجماهير. فالمجتمع المدني الحقيقي ليس نشاطاً هامشياً أو شكلياً، بل هو ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحرة والمتماسكة، وصمام أمان في مواجهة مشاريع التهميش والإقصاء ومحاولات طمس الهوية القومية.
وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نستذكر بكل الوفاء والتقدير الراحلين من مؤسسي قوى المجتمع المدني الكوردستاني، الذين قدموا جهوداً جبارة وتضحيات كبيرة في سبيل إنجاح هذه التجربة الوطنية الرائدة، وكان لهم دور بارز في دفع مسيرة القوى نحو الأمام رغم كل الصعوبات. نستذكر بكل إجلال الراحلين: نظمي محمد، وعدنان بيري، ومحمد سعيد إبراهيم، والأخ عزت من منسقية باكور، الذين تركوا بصمات مشرّفة في العمل القومي والمجتمعي، وآمنوا بأن خدمة الشعب الكوردي مسؤولية تاريخية وأخلاقية. لهم منا الذكر الطيب، ولأرواحهم السكينة والسلام، ونعاهدهم بأن نبقى أوفياء للمبادئ التي ناضلوا من أجلها، وأن نواصل مسيرة النضال حتى تتحقق أهداف شعبنا في الحرية والكرامة.
إن المرحلة التاريخية التي تمر بها منطقتنا اليوم تفرض على منظمات المجتمع المدني الكوردستاني مسؤوليات مضاعفة، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه شعبنا. فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن الحقوق القومية، بل أيضاً حماية النسيج الاجتماعي، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، والدفاع عن الحريات العامة، وتمكين الشباب والمرأة، ومواجهة الفساد والاستبداد، والعمل على بناء مجتمع ديمقراطي حديث يحترم الإنسان وكرامته.
كما أن المجتمع المدني مطالب اليوم بلعب دور وطني جامع يساهم في الحد من حالة الانقسام والتشرذم، ويدفع باتجاه توحيد الصف الكوردي على أساس الثوابت القومية والمصالح العليا لشعبنا، بعيداً عن المصالح الحزبية الضيقة والخلافات الثانوية التي أضعفت الحركة الوطنية وأثرت سلباً على تطلعات الجماهير.
إن قوة أي قضية عادلة تكمن في وعي شعبها وتنظيم مجتمعها، ومن هنا فإن استمرار قوى المجتمع المدني الكوردستاني في أداء رسالتها الوطنية يشكل ضرورة ملحة للحفاظ على الهوية القومية الكوردية وتعزيز حضورها في مختلف الميادين. فالشعوب التي تمتلك مؤسسات مدنية حقيقية وقادرة على التعبير عن إرادتها، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقها وانتزاع مكانتها بين الأمم.
في الذكرى العاشرة لانطلاقة قوى المجتمع المدني الكوردستاني، نجدد العهد بأن تبقى هذه القوى صوتاً حراً لشعبنا، ومنبراً للدفاع عن حقوقه المشروعة، وجسراً بين الجماهير والقضية القومية، وأن تستمر في أداء دورها النضالي والوطني بروح المسؤولية والإيمان بعدالة قضية شعبنا الكوردي حتى تحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال والسلام.