صلاح عمر
إن السؤال حول ما إذا كانت اللغة الكردية “لغة وطنية” أم “لغة رسمية” لا يبدو، في ظاهره، أكثر من نقاش قانوني يتعلق بصياغات دستورية أو تعريفات إدارية، لكنه، في عمقه، يمسّ واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الكردي الحديث: قضية الاعتراف. لأن الشعوب التي عاشت طويلًا على هامش الخرائط، لا تنظر إلى اللغة بوصفها مجرد وسيلة للتواصل، بل بوصفها الشكل الأعمق لوجودها الرمزي، والصوت الذي حفظ ذاكرتها حين كانت السياسة عاجزة عن حمايتها، والبيت الأخير الذي احتمت به الهوية حين ضاقت بها الجغرافيا.
فاللغة الكردية، بالنسبة للكرد، لم تكن يومًا مجرد كلمات تُقال، بل كانت تاريخًا كاملًا من البقاء في مواجهة الإنكار. كانت الأم التي تهمس لأطفالها بأسماء الأشياء كي لا تضيع، وكانت الأغنية التي حملت الذاكرة من جيل إلى جيل حين مُنعت الكتب، وكانت الحكاية التي قاومت النسيان حين حاولت السلطة إعادة كتابة المكان والإنسان معًا. ولهذا، فإن أي حديث عن موقع اللغة الكردية داخل الدولة السورية لا يمكن اختزاله في سؤال إداري بارد حول توصيف دستوري، لأن المسألة تتعلق، في جوهرها، بموقع الكرد أنفسهم داخل فكرة الوطن.
إن وصف اللغة الكردية بأنها “لغة وطنية” يحمل، بلا شك، دلالة سياسية وثقافية مهمة، لأنه يكسر — ولو جزئيًا — تاريخًا طويلًا من الإنكار، ويعترف بأن الكرد ليسوا مجرد جماعة عابرة في هوامش الدولة، بل جزء من بنيتها التاريخية والإنسانية. وهذا الاعتراف ليس أمرًا صغيرًا في بلد عاشت فيه الهويات طويلًا تحت ضغط التوحيد القسري، حيث جرى النظر إلى التعدد بوصفه تهديدًا، لا بوصفه ثراءً. لذلك، فإن الاعتراف بالكردية كلغة وطنية يشكل انتقالًا من مرحلة النفي الكامل إلى مرحلة الإقرار الرمزي بالحضور الكردي داخل المجال الوطني السوري.
لكن الاعتراف الرمزي، مهما كانت أهميته، يبقى ناقصًا إذا لم يتحول إلى اعتراف مؤسساتي. فاللغة التي تبقى خارج المدرسة الرسمية، وخارج المحاكم، وخارج الإدارة، وخارج الوثائق العامة، تبقى لغة معترفًا بها ثقافيًا، لكنها ليست شريكًا فعليًا في إنتاج المجال العام. وهنا يظهر الفرق العميق بين “الوطنية” و“الرسمية”: فالوطنية تعني الاعتراف بأن هذه اللغة تنتمي إلى الوطن، أما الرسمية فتعني الاعتراف بأن أصحاب هذه اللغة شركاء في الدولة نفسها، لا مجرد مكوّن ثقافي داخلها.
ومن هنا، فإن المسألة الكردية لا تتعلق فقط بحق الكرد في التحدث بلغتهم، بل بحقهم في أن تكون لغتهم جزءًا من بنية السيادة والمعنى داخل الدولة. لأن اللغة الرسمية ليست امتيازًا لغويًا فحسب، بل تعبير عن ميزان القوة والاعتراف السياسي. حين تدخل لغة ما إلى المدرسة والقانون والإدارة، فإن الدولة لا تعترف بالكلمات فقط، بل تعترف بالإنسان الذي يتكلمها، وبحقه في أن يرى نفسه داخل مؤسسات بلده، لا خارجها.
وفي التجارب الحديثة، لم تعد قوة الدول تُقاس بقدرتها على صهر الجميع داخل لغة واحدة، بل بقدرتها على بناء وحدة تتسع للتعدد دون خوف. فالدولة الواثقة من نفسها لا ترى في الاعتراف باللغات تهديدًا لوحدتها، بل ترى فيه تعميقًا لشرعيتها الأخلاقية والسياسية. أما الدولة التي تخشى لغات شعوبها، فهي في الحقيقة تخشى الاعتراف الكامل بتنوعها الداخلي.
ولهذا، فإن النقاش حول اللغة الكردية ليس نقاشًا لغويًا في النهاية، بل نقاش حول شكل سوريا نفسها:
هل ستكون دولة تعترف بالتعدد بوصفه جزءًا من هويتها؟
أم دولة تعترف به فقط بوصفه هامشًا ثقافيًا لا ينبغي أن يقترب من مركز السلطة؟
إن الكرد، حين يطالبون بأن تكون لغتهم أكثر من مجرد “لغة وطنية”، لا يطالبون بامتياز فوق الآخرين، بل يطالبون بالخروج من موقع الضيف الرمزي إلى موقع الشريك الكامل. فالوطن الحقيقي لا يُقاس فقط بمن يعيش على أرضه، بل بمن يجد نفسه داخل لغته وقوانينه ومؤسساته.
وحين تُعترف اللغة بوصفها رسمية، فإن ما يُعترف به في الحقيقة ليس اللغة وحدها، بل الكرامة السياسية لمن يتحدث بها.
لأن اللغة، في النهاية، ليست مجرد أداة للكلام…