في الذكرى الأليمة لاختطاف الشيخ محمد معشوق الخزنوي: ملف فُتح ولم يُغلق بعد

محمد عبدالقادر إبراهيم

لا أخفيكم القول، وأنا أستمع إلى الأستاذ إبراهيم اليوسف عبر اتصال هاتفي، ونحن نحتسي الشاي بعد تناول الغداء في بيت الأديب والشاعر خضر سلفيج، الذي دعاني إلى بيته في مدينة صوفيا بعد إلقائي محاضرتي في جامعة صوفيا، حيث كان يعمل أستاذاً في قسم اللغة العربية في الجامعة، وفي الوقت نفسه مديراً لقسم اللغة العربية في إذاعة صوفيا مساءً. كنت حينها في بلغاريا ضمن وفد أكاديمي لبضعة أيام، مدعوين إلى مؤتمر حول اللغة العربية نظمه قسم اللغة العربية في جامعة صوفيا/ بلغاريا، إذ شارك في المؤتمر أكثر من خمسين محاضراً قدموا من عشرين دولة عربية وأجنبية.
كان أيار ٢٠٠٥ ثقيلاً على القلوب، مثقلاً بإشارات القلق والأسئلة المفتوحة، حين أخبرني الأستاذ إبراهيم اليوسف، خلال تلك المكالمة، أن الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي مختفٍ منذ يومين ولا أثر له. استقرت الكلمات في صدري كحجر، بينما كنت أحاول أن أطمئنه وأواسي نفسي قائلاً: لعلّه يظهر قريباً، ربما أضاع الهاتف في مكان ما ولا يستطيع التواصل مع ذويه، ربما… وربما… في محاولة للتخفيف عنا جميعاً.
وما إن أنهيت المحادثة حتى رأيت القلق بادياً على وجه مضيفي، إذ جاء سؤاله سريعاً، لأجيبه بتلعثم من تتوه في فمه الحروف والكلمات، وفي داخلي أمنية كبيرة بأن تصل أخبار سارة تثلج القلوب في القريب العاجل. لكن، كما يقول الشاعر:
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ولم يمضِ وقت طويل حتى وصل الخبر الذي أفجع القلوب وأدمى الأرواح، إذ شاع نبأ استشهاده في أقبية الأجهزة الأمنية تحت التعذيب. نظام عُرف بأشد أنواع التنكيل والقمع، ومارس القتل والترويع بوحشية، ثم أغلق القضية بمسرحية سخيفة، ضعيفة الإخراج، ركيكة السيناريو، ظهر فيها ثلاثة ممثلين على شاشة التلفزيون الحكومي لينسبوا الجريمة إلى أنفسهم، في مشهد أثار غضب السوريين واستهجانهم. وقد عُدَّ خطف الدكتور محمد معشوق الخزنوي واستشهاده نقطةً كبرى في تاريخ المنطقة وسوريا، إذ خرجت حشود هائلة لتشييعه، وتحولت جنازته إلى لحظة سورية نادرة اختلط فيها الحزن بالغضب، بينما بقي اختطافه حتى اليوم لغزاً مفتوحاً، وظل النظام البائد في نظر الناس المسؤول الأول والأخير عن تلك الجريمة.
وقد بقيت صورة الشيخ محمد معشوق حاضرة في ذاكرتي منذ سنوات مبكرة، إذ أتيح لي في العام ١٩٨٠ ـ ١٩٨١ أن أكون، أنا وشقيقي الراحل الشيخ عبدالله، من طلابه في معهد تل معروف الشرعي. كان من أكثر مدرسينا تميزاً بكاريزمته الآسرة، وحضوره المختلف، وقدرته على الجمع بين العلم والهيبة والإنسانية.
وكان الشيخ محمد معشوق دائم الزيارة لوالدي، الشيخ عبدالقادر، باعتباره عالماً من جيل مدرسيه، يستشيره في قضايا دقيقة، إذ كان والدي أحد أئمة الطريقة الخزنوية ومرجعاً دينياً على مستوى سوريا، وله طلاب ومريدون في مناطق سورية واسعة، ولاسيما في ريفي إدلب وحلب وغيرهما.
امتلك الشيخ محمد معشوق حضوراً آسراً، وعلاقة وثيقة بالأستاذ إبراهيم اليوسف، توثقت أكثر في بيتنا، رغم أن للعائلتين علاقات تاريخية تمتد لأكثر من مئة عام. كنت أنا ووالدي نحدث كلاً منهما عن الآخر بمحبة وتقدير، وكأن خيطاً خفياً جمع الأرواح قبل اللقاءات.
رحم الله الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي، الذي قدم روحه قرباناً لمبادئه الإنسانية والدينية، إذ آمن بحق الإنسان في الحرية والكرامة والتسامح، وكان جل همه أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان بأمان، بعيداً عن الخوف والقهر والاستبداد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل.   زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.   واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع…

كفاح محمود في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا…

راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا للمشي. ليس فيها نسمة هواء نظيفة بعد أن تم حشوها…

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…