د. محمود عباس
غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية…3
ومن هنا، فإن النظام الفيدرالي اللامركزي، رغم كل أنواع التهجم عليه، يبقى الحل الأكثر عقلانية لسوريا كلها، لا للكورد وحدهم. فالفيدرالية ليست مشروع تقسيم كما تروّج تركيا والقوى العروبية الإسلامية والقومية، بل صيغة إنقاذ لدولة لم تعد قابلة للحكم من مركز واحد، والاصطدامات المستمرة على كل جغرافية سوريا خير مثال، حتى وإن طالت حكم الحكومة الانتقالية. سوريا التي مزقتها الحرب، وفتتتها المذاهب، وتنازعتها الجيوش، وتعبث فيها المنظمات الإسلامية المتطرفة، لا يمكن أن تُعاد إلى القالب القديم نفسه ثم يُطلب من شعوبها أن تصدق أنها دخلت عصرًا جديدًا. المركزية التي تبجح بها الأسد والبعث كانت إحدى أدوات الخراب، ومن يريد إعادة إنتاجها باسم الوحدة إنما يهيئ الأرض لصراع جديد. الفيدرالية، أو اللامركزية الدستورية الواسعة، هي الطريق الوحيد لتحويل التنوع الكارثي في سوريا من قنبلة مؤجلة إلى عقد سياسي واضح.
لكن تركيا تخاف من هذه الصيغة لأنها تعرف أن الاعتراف الدستوري بالكورد في سوريا سيكسر منطق الإنكار الطاغي في جميع أنظمتها منذ أتاتورك إلى اليوم. ولهذا حاربت الفيدرالية بكل الأساليب، وضغطت على دمشق، وأقنعت مبعوث أمريكا، واستخدمت، ملوحة بالأمن القومي، وفرضت سلطة مركزية سورية تكون قوية على الكورد وضعيفة أمام أنقرة. إنها لا تريد سوريا موحدة بقدر ما تريد سوريا مضبوطة، ولا تريد استقرارًا حقيقيًا بقدر ما تريد منع أي نموذج كوردي من الحياة. ولهذا يصبح الدفاع عن الفيدرالية دفاعًا عن سوريا مهما طالت الفترة، لأن سوريا التي تخضع لمنطق الأمن التركي لن تكون دولة مستقلة، بل ساحة نفوذ مقنّعة.
إن المرحلة القادمة تزداد غموضا، كلما تقاربت احتمالات الاتفاق بين أمريكا وإيران، وضعفت أدوات إيران في المنطقة، وربما لن يحمل مجريات الأحداث وعودًا كثيرة على المدى القريب لكنه تتجه نحو تغيرات سياسية إستراتيجية كبيرة وقد تنتهي بإعادة الخرائط الجغرافية وهو ما ترعب تركيا وسوريا وإيران والعراق وغيرهم من دول المنطقة.
الولايات المتحدة، بعد الصراع الإسرائيلي الإيراني لم تكن مستعدة، على ما ظهر من مسار سياساتها، لخوض معركة سياسية حقيقية من أجل الحقوق الكوردية، لكن لا احتمالات ان تتحول هذه الحقوق إلى ضرورة ضمن استراتيجيتها الأوسع في مواجهة إيران وأدواتها في المنطقة، أو إذا بقي التهديد الإيراني عاملًا ضاغطًا على مصالحها وعلى أمن إسرائيل. عندها فقط قد تجد واشنطن في الورقة الكوردية قيمة تتجاوز وظيفتها العسكرية السابقة، لا بوصفها التزامًا أخلاقيًا تجاه شعب قدّم تضحيات كبرى، بل بوصفها جزءًا من هندسة توازنات جديدة في شرق أوسط تتحكم فيه المصالح أكثر مما تتحكم فيه المبادئ. ومع ذلك، ستظل تركيا حاضرة في الحسابات الأمريكية كحليف إقليمي ثقيل، وستبقى واشنطن حذرة من تجاوز الخطوط التي قد تُغضب أنقرة، ما لم تصبح المصالح الأمريكية المباشرة، أو مقتضيات الأمن الإسرائيلي، أكبر من كلفة مراعاة الحساسيات التركية.
ودمشق الانتقالية تريد تثبيت المركز قبل بناء عقد وطني، وتركيا تريد سحق أي أثر لمشروع كوردي مستقل، والمجتمع الدولي يفضّل الصفقات السريعة على العدالة البطيئة. ومع ذلك، فإن غموض المرحلة لا يعني الاستسلام. بل يعني أن على الحراك الكوردستاني أن ينتقل من خطاب الاعتماد على الحماية الخارجية إلى خطاب بناء القوة الداخلية، ومن إدارة الأمر الواقع إلى الإصرار على صياغة مشروع دستوري واضح، ومن الانقسام الحزبي إلى جبهة سياسية كوردية عريضة، ومن الاكتفاء بالسلاح إلى بناء المجتمع والاقتصاد والتعليم والإعلام والدبلوماسية.
وما يُسمّى اليوم بـ“الاندماج” ليس طريقًا إلى الشراكة، بل قد يكون الاسم المهذّب لعملية ابتلاع سياسي وثقافي. فدمشق لا تريد الاعتراف بغربي كوردستان، بل تريد إعادة ما تبقّى منه إلى بيت الطاعة المركزي، وهذه المرة لا باسم البعث وحده، بل باسم الوطن والمواطنة والأمة الإسلامية. إنها صيغة أكثر خبثًا من الإنكار القديم، لا تقول للكوردي إنك غير موجود، بل تقول له أنت موجود كمواطن، لا كشعب؛ كفرد، لا كأمة؛ كلغة هامشية، لا كحق دستوري؛ كمنطقة إدارية، لا كوطن تاريخي.
لكن غربي كوردستان لم يخسر إيمان شعبه، حتى إن خسر كثيرًا من مكتسباته. وما تبقى منه لا ينبغي أن يُدار بعقلية الانتظار، بل بعقلية الإنقاذ السياسي. إن اللحظة ليست لحظة توسع، بل لحظة تثبيت. وليست لحظة أوهام كبرى، بل لحظة واقعية صارمة. وليست لحظة التخلي عن الحلم، بل لحظة إعادة تعريفه، من حلم معلّق على تحالفات الآخرين، إلى مشروع يستند إلى وحدة الكورد، ووضوح المطالب، وشرعية الأرض، وعدالة القضية، والقدرة على مخاطبة العالم بلغة المصالح والحقوق معًا.
لقد أثبتت التجربة أن القوة العسكرية قد تحمي الأرض مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لحماية المصير. وأثبتت السياسة الدولية أن الحليف الذي يأتيك من بوابة الحرب قد يغادرك من بوابة الصفقة، وهو ما فعلته أمريكا وفرنسا. وأثبتت تركيا أن خوفها من الفيدرالية ليس خوفًا على سوريا، بل خوف من الحقيقة الكوردية. وأثبتت دمشق، القديمة والجديدة، أن المركز حين لا يُقيّد بدستور عادل يعود إلى غريزته الأولى، السيطرة والإنكار.
لذلك، فإن السؤال لم يعد، كيف نوسع التجربة؟ بل، كيف نمنع سقوط ما تبقى منها؟ كيف نحول الانكماش إلى مراجعة لا إلى هزيمة؟ كيف نجعل من غربي كوردستان قضية دستورية سورية ودولية، لا ملفًا أمنيًا بيد تركيا ودمشق؟ وكيف نعيد تعريف النضال الكوردي بحيث لا يبقى أسير البندقية، ولا ضحية الشعارات، ولا تابعًا لخرائط الآخرين؟
إن غربي كوردستان يقف اليوم بين واقع عسكري متراجع وفرصة سياسية ضيقة، لكن الشعوب لا تُقاس فقط بحجم ما تملكه في لحظة القوة، بل بقدرتها على حماية معناها حين تضيق الجغرافيا وتتراجع الوعود. وما دام هناك شعب يرفض المحو، وأرض تحفظ أسماءها، وذاكرة لم تنكسر، فإن الفرصة، مهما ضاقت، لا تزال قابلة لأن تتحول إلى بداية جديدة، شرط أن نقرأ الواقع كما هو، لا كما تمنينا أن يكون.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م