صراع الأجيال ..أم تكامل في المجتمع ؟

أحمد بلال 

 

الصراع ظاهرة إنسانية ممتدة، تتجلّى في صور متعددة: صراع بين الأنظمة، وبين الدول، وبين الأديان، بل وحتى داخل المجتمع الواحد. غير أن أكثر أشكال الصراع حضوراً وتأثيراً هو صراع الأجيال، ذلك الصراع الذي لا يقوم على العداوة بقدر ما يقوم على اختلاف المفاهيم والقيم، وعلى تسارع وتيرة التطور العلمي والصناعي، ثم الطفرة الهائلة في عالم الاتصالات والشبكة العنكبوتية التي اختصرت المسافات، وجعلت حدود الدول خطوطاً على الخرائط لا أكثر.

هذه التحولات الكبرى تمثل عوامل ضغط حقيقية تعيد تشكيل العلاقات بين الأجيال. وقد استوقفتني ذات يوم صورة عُرضت عليّ في اختبار لغوي: طفل يجلس في حضن جده، وإلى جوارهما امرأة تقف، وأمامهم شاشة كمبيوتر، والطفل يمسك بالفأرة. وكان السؤال: من يعلّم من؟ في البداية خُيّل إليّ أن الجد هو المعلّم بحكم الخبرة والعمر، لكنني سرعان ما استحضرت واقعي مع أبنائي، وقارنت بين معرفتي ومعرفتهم بعالم التقنية، فأدركت أن الطفل هو الذي يعلّم الجد. كان الجواب صحيحاً، لكنه في الحقيقة لم يكن جواباً امتحانياً فحسب، بل كان درساً اجتماعياً عميق الدلالة.

إن الاعتراف بقدرة الجيل الجديد في مجالات معينة لا ينتقص من مكانة الجيل السابق، بل يعكس طبيعة الحياة نفسها؛ فالتطور لا يسير إلى الخلف، والمعرفة لا تقف عند عمر. وقد قيل قديماً: «لا تُربّوا أولادكم كما ربّاكم آباؤكم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم»، وهي حكمة تختصر فلسفة التعامل مع اختلاف الأزمنة وتبدّل المعارف.

ولا يقل أثر وسائل الإنتاج عن أثر المعرفة التقنية في تشكيل الفجوات بين الأجيال؛ فهي التي ترسم ملامح الطبقات الاجتماعية والثقافية والمادية، وتخلق أنماطاً جديدة من التفكير والعيش. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا ننسب الفضل إلى الحاضر وحده؛ فالأجيال السابقة هي التي مهّدت الطريق، وبنت الأسس، وغرست البذور التي نحصد ثمارها اليوم.

من هنا يبدو أن مصطلح «صراع الأجيال» ليس أدق توصيف؛ لأن العلاقة في جوهرها ليست صراعاً بقدر ما هي تفاعل وتكامل. فالحياة مدرسة كبرى، يتعلم فيها الشاب من حيوية اندفاعه، ويتعلم من الشيخ خلاصة تجربته. وإذا اجتمعت طاقة الشباب مع حكمة الكهولة، نشأ مجتمع متوازن لا يقطع جذوره، ولا يخشى مستقبله.

هذه رسالة إلى سكرتاترية الاحزاب ،

يا سادة هكذا يتبيّن أن الأجمل والأجدر أن نستبدل عنوان الصراع بعنوان أسمى: «تكامل الأجيال»؛ فلولا الأمس ما كان اليوم، ولولا اليوم ما وُلد الغد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…