إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة الثامنة

د. محمود عباس

 

غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية… 2

اليوم لم تعد المسألة كما كانت. فغربي كوردستان لم يعد يقف أمام فرصة تمدد سياسي، بل أمام معركة الحفاظ على ما تبقى. عفرين خرجت من يد أهلها، وتحولت إلى جرح مفتوح تحت سيطرة أدوات مرتبطة بالمشروع التركي، لا تملك الحكومة السورية المؤقتة أو الانتقالية عليها سلطة حقيقية. وسري كانيه وكري سبي وغيرهما ظلّت شاهدة على أن تركيا لا تريد منطقة آمنة بقدر ما تريد منطقة منزوعة من معناها الكوردي، مبدلة السكان والذاكرة والسلطة واللغة. أما المناطق التي لا تزال تحت نفوذ الإدارة الذاتية، فقد أصبحت محاطة بضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية، وبمساومات دولية لا يُسأل فيها الكورد دائمًا عمّا يريدون، بل يُطلب منهم غالبًا أن يتكيفوا مع ما يريده الآخرون.

لقد تبدلت السياسة الأمريكية كذلك. فواشنطن التي تعاملت مع قسد بوصفها شريكًا عسكريًا في الحرب على داعش، لم تتحول إلى ضامن سياسي حقيقي للحقوق الكوردية. كانت الشراكة ميدانية أكثر مما كانت استراتيجية، أمنية أكثر مما كانت أخلاقية، مرتبطة بمحاربة الإرهاب لا ببناء مستقبل عادل لسوريا. ومع صعود السلطة الانتقالية الجديدة في دمشق، ذات اللون السني الإسلامي الواضح، بدأت الحسابات الأمريكية تنزاح نحو منطق آخر: احتواء إيران وأدواتها، بناء توازن سني إقليمي، إرضاء تركيا بقدر ما يسمح به ميزان المصالح، وترتيب سوريا الجديدة بوصفها ساحة نفوذ قابلة للاستخدام، لا بوصفها وطنًا يجب إعادة بنائه على أساس العدالة التاريخية والمشاركة القومية والدستورية.

وهنا يكمن الخطر الأكبر. فحين تُبنى سوريا الجديدة على مركزية مذهبية مغطاة بخطاب وطني عام، وحين تُمنح تركيا مساحة واسعة للتحكم بالقرار السوري، وحين يُطلب من الكورد القبول ببعض الحقوق الثقافية والإدارية المتفرقة، فإننا لا نكون أمام حل وطني، بل أمام إعادة إنتاج ناعمة لسياسات الإنكار القديمة. فالحق الثقافي، إذا لم يستند إلى اعتراف دستوري بالشعب الكوردي وبجغرافيته التاريخية وحقوقه السياسية، يتحول إلى زينة لغوية داخل دولة مركزية. واللامركزية الإدارية، إذا لم تكن جزءًا من نظام دستوري واضح، قد تصبح مجرد تفويض محدود تسحبه السلطة متى شاءت. أما الحديث عن المواطنة المجردة، حين يُطرح في دولة لم تعترف أصلًا بتعدد شعوبها وقومياتها، فيصبح أداة لإلغاء الخصوصيات لا لحمايتها.

لذلك، فإن غربي كوردستان يقف اليوم أمام لحظة مراجعة قاسية. لم تعد الشعارات القديمة كافية، ولا يكفي التمسك باسم الإدارة الذاتية إذا كانت الأرض تتقلص، والموارد تُنتزع، والمجتمع ينهك، والشباب يهاجر، والقرار السياسي يتوزع بين ضغط الخارج وضعف الداخل. كما لم يعد ممكنًا التهرب من السؤال الداخلي: لماذا لم تتحول التجربة إلى نموذج اقتصادي وخدمي وتعليمي أكثر جاذبية؟ لماذا لم يُبنَ توافق كوردي أوسع؟ لماذا بقيت العلاقة بين القوى الكوردية محكومة بالحساسيات الحزبية بدل أن تُدار بعقل وطني كوردستاني؟ ولماذا لم تُصغ رؤية دستورية موحدة تقنع الكورد أولًا، ثم تخاطب العرب والسريان والآشوريين وبقية المكونات بلغة الشراكة لا بلغة الخوف؟

إن النقد هنا لا يستهدف إضعاف التجربة، بل إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها. فالذي يرفض النقد في لحظة الانكماش يدفع التجربة نحو العمى. والذي يخلط بين الدفاع عن التضحيات وتقديس الأخطاء، يحول الدماء إلى ستار يمنع المراجعة. وغربي كوردستان اليوم لا يحتاج إلى أناشيد إضافية، بل إلى عقل سياسي بارد، وشجاعة أخلاقية، ووحدة كوردية أوسع، ورؤية تفاوضية تعرف ما هو الثابت وما هو المتحرك. الثابت هو أن الكورد شعب أصيل في سوريا، وأن غربي كوردستان ليس طارئًا على الجغرافيا، وأن أي دستور لا يعترف بهذه الحقيقة سيبقى دستور أزمة. أما المتحرك فهو شكل الصيغة السياسية الممكنة، وآليات التفاوض، وحدود التحالفات، وطريقة تحويل القوة العسكرية المتبقية إلى رصيد سياسي لا إلى عبء قابل للمساومة.

ومع هذا التحول، لم تعد الإدارة الذاتية تواجه خصومها التقليديين وحدهم، بل أصبحت تواجه أيضًا حدود تجربتها الداخلية. فقد أثبتت السنوات أن الأمن، رغم ضرورته، لا يكفي لبناء نموذج مستقر إذا لم يترافق مع بنية خدمية واقتصادية وتعليمية أكثر صلابة. فالمجتمع المحلي لا يريد الحماية وحدها، بل يريد فرص العمل، وتحسين شروط المعيشة، والبنية التحتية، والكرامة اليومية التي تجعل الناس أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات القادمة.

كما أن المعضلة لم تعد محصورة في ضغط دمشق أو تركيا أو صعود التيارات المتطرفة داخل السلطة السورية الجديدة، بل امتدت إلى عجز الحراك الكوردي عن إنتاج رؤية موحدة كافية لهذه المرحلة. فهو يواجه خصومًا أكثر تنظيمًا، وبيئة دولية أقل تعاطفًا، ومجتمعًا متعبًا لا يستطيع أن يبقى طويلًا داخل حالة عسكرية مفتوحة. ولذلك، فإن أي مشروع كوردي يريد البقاء يحتاج إلى الجمع بين الحماية، والوحدة السياسية، والخدمات، والاقتصاد، والدبلوماسية الواقعية.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين اقامتي – البيروتية – الاختيارية – الاضطرارية ، التي ناهزت العشرة أعوام من بداية سبعينات القرن الماضي ، وحتى المغادرة ” الاضطرارية ” أيضا خريف عام ١٩٨٣ ، بعد الاجتياح الإسرائيلي ، ومحاصرة بيروت ، تلخصان نموذجا لحالة المناضل السياسي الكردي السوري – الضائع – في بحر تتلاطم فيه الأمواج من كل حدب وصوب في شرقنا المستبد ،…

إبراهيم اليوسف ما جرى تحت اسم انتخابات ما يسمى ب” مجلس الشعب” لا يشبه ولادة برلمان بقدر ما يشبه إعادة تدوير الاستبداد بأدوات أكثر ارتباكاً، إذ بدا السوري مرة أخرى خارج القاعة التي يُفترض أنها خُلقت لأجله، بينما جرى تصنيع مجلس بلا ناخبين حقيقيين، ضمن آلية أقرب إلى التعيين المقنّع منها إلى أي معنى انتخابي، الأمر الذي حوّل ما قيل…

متابعة موقع (ولاتي مه) أثار نقل جثمان شيخ الشهداء الشيخ محمد معشوق الخزنوي إلى مرقد جديد في مقبرة الشهداء بحي قدور بك بمدينة قامشلو، جدلا واسعا داخل عائلته وبين المهتمين بالشأن الكردي العام، بعد صدور بيانين متعارضين من أبناء الشيخ الراحل حول عملية النقل وظروفها. وكان الشيخ مرشد الخزنوي قد أعلن، عبر منشور رسمي، عن نقل جثمان والده إلى “مرقده…

ألياس رمو   منذ عام ٢٠١٥ أعلنت معاداة حزب العمال الكردستاني قناعة مني بان هذا الحزب خياراته السياسية خاطئة بالمطلق او لاينتمي للقضية الكردية . توصلت لهذه القناعة عندما جرت الانتخابات البرلمانية في تركيا عام ٢٠١٥ ولم يحصل حزب العدالة والتنمية على الأغلبية البرلمانية التي تسمح للحزب بحكم البلاد . حينها حصل حزب hdp الكردي على ٨١ نائب . واصبحت…