بين الجرأة والتردد: العلمانية في الخطاب السياسي الكردي

سرحان عيسى

 

في لحظة سياسية لافتة، دعا مصطفى هجري، أمين عام الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران، خلال خطابه أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل، 15.04.2026 إلى إقامة نظام علماني في إيران بشكل صريح وواضح. هذا الطرح لم يأتِ من فراغ، بل يعكس قراءة مباشرة لطبيعة النظام القائم على مرجعية دينية، وما يفرضه ذلك من ضرورة الفصل بين الدين والدولة كمدخل أساسي لأي تحول ديمقراطي حقيقي.

لا يختلف اثنان على أن معاناة الشعب الكردي في مختلف الدول تتشابه إلى حد كبير، سواء من حيث سياسات القمع والتعريب، والتتريك والتفريس، أو الاتهامات الجاهزة التي تُوجّه إليه، ما يكرّس شعوراً عاماً بوحدة المظلومية. ومع ذلك، فإن اختلاف السياقات السياسية والقانونية بين هذه الدول ينعكس بوضوح على خطاب الحركات السياسية الكردية، وعلى سقف مطالبها وأدواتها.

في إيران، حيث يقوم النظام على أساس ديني شيعي واضح، يبدو طرح العلمانية خياراً مباشراً لمواجهة بنية الحكم نفسها. ومن هنا، تكتسب دعوة هجري طابعاً جريئاً وصريحاً، إذ لا تكتفي بانتقاد الممارسات، بل تذهب إلى أصل المشكلة: تسييس الدين واستخدامه كأداة للهيمنة.

في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في أجزاء أخرى من كردستان، لا سيما في تركيا وسوريا والعراق، حيث تتداخل الأنظمة بين الطابع الديني السني والشيعي أو مزيج منهما. ورغم التشابه في جوهر الإشكالية المرتبطة بتداخل الدين والسياسة، إلا أن الحركات السياسية الكردية في هذه المناطق غالباً ما تتجنب المطالبة الصريحة بنظام علماني، مفضّلة استخدام مصطلحات أكثر مرونة، مثل “حيادية الدولة تجاه الأديان”.

علماً أن أغلب الأحزاب الكردية في مختلف أجزاء كردستان تُعرّف نفسها على أنها أحزاب يسارية ديمقراطية، وهو ما يزيد من حدة التساؤل حول هذا التردد في تبنّي مفهوم العلمانية بشكل واضح، باعتباره أحد الركائز الأساسية لأي مشروع ديمقراطي حديث.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: إذا كانت المشكلة واحدة، فلماذا يختلف وضوح تسمية الحل؟ إن اللجوء إلى تعابير فضفاضة لا يرقى إلى مستوى التحديات القائمة، بل قد يُفهم على أنه تردد أو محاولة لتفادي مواجهة فكرية وسياسية ضرورية. فالعلمانية، بوصفها مبدأ يقوم على فصل الدين عن الدولة، ليست مجرد شعار، بل إطار عملي لضمان المساواة بين المواطنين وحماية التعددية.

إن تبنّي الدول المتعددة الثقافات والأديان والقوميات لمبدأ فصل الدين عن الدولة، على غرار النموذج الألماني، يشكّل في جوهره صمّام أمان حقيقي لهذه المكوّنات، ولا سيما غير المسلمة منها. فهذا النهج يساهم في تهيئة بيئة أكثر استقرارًا وتوازنًا، ويفتح الطريق أمام صياغة دستور توافقي بعيدًا عن خطوط الصراع التمثيلي، كما يمهّد لإقامة نظام ديمقراطي علماني دون الانزلاق إلى نزاعات حقوقية أو سجالات تمثيلية تعيق بناء الدولة ومؤسساتها.

وكمثال على هذا التردد، فقد تبنّى المجلس الوطني الكردي في مؤتمره الثالث الذي عُقد في مدينة القامشلي (1606.2015) مبدأ فصل الدين عن الدولة بشكل واضح، إلا أنه، وللأسف، تراجع عن هذا الطرح في مؤتمره الرابع (14.11.2022)، متبنياً صيغة أكثر ضبابية تقوم على “حيادية الدولة تجاه الأديان”، وهو ما يعكس حالة من التراجع في وضوح الخطاب بدل تطويره.

وبناءً على ذلك، وبما أن المجلس الوطني الكردي كان سبّاقاً في تبنّي هذه الخطوة الجريئة، فإنني أدعو إلى أن يعيد تبنّي مبدأ علمانية الدولة بشكل واضح وصريح في مؤتمره الخامس القادم.

إن النقد في هذا السياق لا يستهدف الاختلاف في التكتيك بقدر ما يسلّط الضوء على غياب الوضوح في الرؤية. فالتحديات التي تواجه المجتمعات الكردية، ضمن أنظمة توظف الدين في السياسة، تتطلب خطاباً أكثر صراحة وجرأة. وعليه، فإن تبنّي مصطلح العلمانية بشكل واضح لم يعد خياراً فكرياً هامشياً، بل ضرورة سياسية ملحّة في سبيل بناء أنظمة ديمقراطية قائمة على المواطنة والعدالة.

في المحصلة، يطرح خطاب هجري نموذجاً للوضوح السياسي، في مقابل حالة من التردد لدى قوى أخرى. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل آن الأوان لانتقال الخطاب السياسي الكردي من المناورة بالمصطلحات إلى تسمية الأمور بأسمائها؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
خالد علوكة
خالد علوكة
2 شهور

اخي رغم مفهومية مقالك لكن لايجب طرح العلمانية في دولة اسلامية فيها الاسلام دين الدولة الرسمي وثانيا الكورد في ايران قابلوا الخميني وطلبوا حكما ذاتيا فقال لهم هل يوجد هذا في القران الجواب لا وحتى امعن بقوله بانه لا ذكر للكورد في القران.. وهو ذبح الكورد واكثر ماذبح الكورد هم المسلمين والكورد من دينهم.

اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس تتبدّى ضحالة الدكتور محمد بهجت القبيسي من أبسط مداخل اللغة والتاريخ، فهو لا يدرك، أو يتجاهل عمدًا، أن اللغة الكوردية ليست فرعًا من العربية، ولا تنتمي إلى الأسرة السامية أصلًا، بل هي من اللغات الإيرانية الغربية ضمن العائلة الهندو-إيرانية. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط كل محاولة بائسة لتعريب اسم الكورد أو ردّ وجودهم إلى اشتقاقٍ داخل المعجم…

Prof. Dr. Sarbast Nabi لن أكشف سرّاً إذا تساءلت استناداً إلى اعتراف مظلوم عبدي بالذات على قناة العربية/ الحدث بأن اتفاقه( اتفاق آذار) تمّ بينه وبين الجولاني سرّاً قبل سقوط بشار الأسد وأن الاتفاق المعلن هو مطابق تماماً مع ذلك الاتفاق، إنه، حسب قوله، كان اتفاقاً سورياً/ سورياً. السؤال، من الذي خوّل عبدي، المسؤول العسكري، أن يقرر المصير…

فيصل اسماعيل تُعد القضية الكردية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً واستمراراً في الشرق الأوسط الحديث، إذ امتدت تداعياتها منذ ما بعد انهيار وحتى اليوم، دون أن تصل إلى تسوية نهائية تُنهي حالة الجدل التاريخي حول الحقوق والهوية والمستقبل السياسي. ورغم التحولات الكبرى في النظام الدولي، بقيت مقاربة القوى الفاعلة تجاه القضية الكردية محكومة في الغالب باعتبارات الاستقرار الإقليمي، وتوازن…

نظام مير محمدي * في 20 يونيو 2026، شهدت العاصمة الفرنسية باريس أحد أكثر الأحداث السياسية حساسية وتاريخية للمقاومة الإيرانية. وعلى الرغم من أن الشرطة الفرنسية، رضوخاً للضغوط الدبلوماسية وسياسة الاسترضاء المخزية، ألغت تصريح المظاهرة المركزية الحاشدة التي كانت مقررة بمشاركة مئة ألف من الإيرانيين الأحرار، إلا أن المقاومة الإيرانية، عبر مبادرة استثنائية ونشر مئة ألف إيراني في عشرات النقاط…