هل يكون الدستور في سوريا طوق نجاة من استقطابات اليمين المتطرف ؟!

مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

مع كامل الاحترام لمنظومة القوانين التي تحكم أوروبا والغرب ، فإن فقاعات الحرية والمساواة والديمقراطية سقطت أمام النزعات العنصرية التي تصاعدت خلال الأعوام الماضية ، وبالتزامن مع صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة في كبرى الدول والاقتصادات الأوروبية ، وفوزها في مختلف الانتخابات الرئاسية والتشريعية مقابل تراجع ملحوظ وكبير في مقاعد أحزاب اليسار والوسط ، كما برزت اتجاهات سياسية معادية للمسلمين والعرب والأفارقة والآسيويين بصورة فاضحة ، وتزايدت ممارساتها المتطرفة من دون أن تنجح قوانين دول “الأمن” و “الحرية” و “الاستقرار” في ردعها أو ضبطها ، بل على العكس بدأت هذه القوى تبحث عن تشريعات ووسائل قانونية تمكنها من ممارسة سياساتها التمييزية .

قبل المد الشيوعي، وقبل تبلور أفكار الاشتراكية ، ووصولاً إلى ظهور الليبراليات الحديثة لم يكن الشرق الأوسط – مع الأسف – إلا مقلداً ومتأثراً بهذه الأنماط السياسية ، والمراقب الموضوعي يلحظ انعكاسات هذا التأثر حتى في النتاجات الأدبية ، وأميل اليوم إلى الرأي الذي يرى أن ما ينعكس على الشرق الأوسط من تغيرات في المناخ السياسي السائد في الغرب يشبه إلى حدٍّ بعيد فرض واقع جديد على المنطقة التي اعتادت أن تكون سريعة التفاعل مع المتغيرات السياسية الدولية .

وهذا – برأيي – التفسير المنطقي لانتشار الخطابات اليمينية المتطرفة في الشرق الأوسط بهذا الشكل ، ولا سيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية ، وهنا يكمن بيت القصيد – إن صح التعبير – في الأهمية البالغة للدستور القادم ، والذي ينبغي أن يحمي سوريا والسوريين من موجات التطرف التي نعيشها اليوم عبر خطابات وتنظيمات سرية قد تتحول مستقبلاً إلى أحزاب سياسية كما حدث في أوروبا ، وهو ما يزيد الأمر خطورة وتعقيداً .

ولهذا لم يعد الدستور مجرد وثيقة قانونية لتنظيم شكل الحكم وو الخ ، بل أصبح أداة للدفاع عن فكرة الدولة السورية الحديثة التي تسعى إلى النهوض بعد حرب طويلة وانقسامات مجتمعية خطيرة ، والعمل على بناء نظام سياسي متكامل ، وهذا فضلاً عن أن الدستور ليس ترفاً سياسياً كالمشاركة السياسية – التي طالبنا بها كثيراً وما زلنا نطالب بها – التي يجتهد البعض في تصويرها رفاهية سياسية في الوقت الراهن .

لا يمكننا الخوض في مئات التفاصيل المتعلقة بآلية كتابة الدستور ، أو إعداد مسودته قبل عرضها على مجلس الشعب ، أو طرحها للاستفتاء الشعبي ، ولا في طبيعة اللجنة الدستورية التي ستتولى صياغته ، وما يتصل بذلك من مسائل إجرائية وقانونية ، ولا سيما أن عملية إعداد الدستور في سوريا ودون مجاملة ستكون شديدة الحساسية في ظل الانقسامات الحادة التي تعيشها البلاد اليوم .

من الطبيعي ومن المسلمات أيضاً ألَّا يكون الدستور القادم مجرد تسوية سياسية مؤقتة شبيهة بالإعلان الدستوري ، والذي لسنا بصدد مناقشته أو نقده هنا ، كما لا يجوز أن يتحول إلى أداة بيد دمشق لفرض الهيمنة السياسية أو أن يكون انعكاساً لرؤية السلطة الحاكمة وحدها .

بعد قراءة لا بأس بها في عناوين متقاربة ضمن أصول البحث العلمي في العلوم القانونية ، وإلى جانب جلسات حوارية مفتوحة مع باحثين وحقوقيين مختصين ، برزت لدي مجموعة من النتائج المهمة والأفكار والقواسم المشتركة التي حظيت بإجماع كامل ، وكان في مقدمتها : أهمية التحليل الدقيق للواقع السوري الراهن اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ، وإجراء مقارنات معمقة مع دساتير أخرى مشهود لها بالكفاءة والنجاح ، فضلاً عن أهمية قابلية التطبيق العملي للنصوص الدستورية ، وقدرتها على التطور مستقبلاً بما ينسجم مع المتغيرات المتسارعة في عصرنا ، وهذا ليس سوى غيض من فيض من أفكار عديدة تتناول أهمية مشاركة النخب الوطنية ، والفعاليات الاجتماعية ، والندوات الحوارية ، وغيرها من الطروحات الأكاديمية والنقاشات النظرية التي تدور حول صياغة دستور قادر على بناء دولة مستقرة وحديثة .

ختاماً ، لا غبار على كل ما سبق من أفكار ، بل إنها تعد ضرورة لا يمكن تجاوزها في أي مسار دستوري جاد ومسؤول ، غير أن النقطة الأهم – من وجهة نظري – تبقى تلك الومضات الفكرية التي علقت في ذهني بعدما أشار إليها الدكتور عبد الرزاق حساني في إحدى محاضراته ، والمتعلقة بمبدأي الحياد والاستقلال ، وضرورة التركيز وفهم الغاية والغرض والخدمة والأسباب الموجبة لأي تشريع .

نعم ، نافست مصر سوريا ، بل وربما تفوقت عليها في بعض المراحل بمنظومتها الفكرية والتشريعية ، وذلك بحكم وزنها وحضورها السياسي – وفق حساني – إلا أنَّ سوريا بقيت ، وستبقى واحدة من أهم الدول التي تفوقت في الفكر القانوني والتشريعي – دون تطبيق كامل طبعاً – على مستوى العالم العربي ، وهذا ما نأمله منها اليوم بكل تأكيد ، وأعتقد أنه لا يوجد اختبار يفوق في أهميته اختبار إعداد الدستور القادم .

 ذلك الدستور الذي لا بُدَّ أن يُصاغ بأقصى درجات الحياد الممكن ، وأن يقوم على استقلال حقيقي يعلو فوق المصالح الضيقة والانقسامات العابرة ، وليكون عقداً وطنياً جامعاً يؤسس لدولة عادلة وحديثة ، ويحفظ للسوريين حقهم في وطن يتسع للجميع .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…

لوند حسين* منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية،…