لوند حسين
تُعدّ القضية الكُردية واحدة من أقدم القضايا القومية غير المحسومة في الشرق الأوسط؛ فعلى امتداد قرون طويلة، خاض الشعب الكُردي عشرات الثورات والانتفاضات دفاعاً عن وجوده وهويته وحقه في تقرير مصيره، وتمكّن في مراحل مختلفة من تأسيس إمارات وكيانات سياسية محلية، قبل أن يُحرم، مع تشكّل النظام الدولي الحديث، من حقه في دولة قومية أسوةً بسائر شعوب المنطقة والعالم.
بدأت أولى مراحل تقسيم كُردستان مع الصراع العثماني – الصفوي عقب معركة جالديران عام 1514، حين جرى التقسيم الأول لِكُردستان بين الإمبراطوريتين؛ ثم جاء التقسيم الأكثر عمقاً وتأثيراً بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أعادت القوى الأوروبية رسم حدود المنطقة وفق مصالحها الاستعمارية في اتفاقية سايكس-بيكو 16 أيار 1916 السيئة الصيت، فتمّ التقسيم الثاني لِكُردستان وتوزيع الشعب الكُردي على عدة دول، من بينها سوريا والعراق وتركيا وإيران، لتتحول كُردستان إلى وطن مُجزّأ وشعب مُقسّم بين أربع دول رئيسية، وهو واقع سياسي لا تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
ولم يقتصر أثر هذا التقسيم على الجغرافيا والحدود السياسية، بل امتد إلى البنى الفكرية والثقافية للدول الناشئة، حيث تشكّلت نخب سياسية على أسس قومية أحادية اعتبرت التنوع الاثني والثقافي تهديداً لمشروعها السياسي؛ وفي الحالة السورية، تجلّى هذا التوجه بوضوح في المناهج التعليمية والخطاب الرسمي، ولا سيما في مقررات «التربية القومية الاشتراكية» لنظام البعث الأسدي، التي قدمت الهوية العربية بوصفها الإطار الوحيد للدولة والمجتمع، مع تجاهل شبه كامل للوجود التاريخي والقومي للكُرد وسائر المكونات الأخرى.
وبالنسبة لأجيال من الكُرد، لم يكن هذا الإنكار مجرد موقف سياسي أو خطاب نظري، بل تجربة معيشة تركت آثارها العميقة على الوعي الجمعي؛ فالكثير من الكُرد تعرّفوا إلى هويتهم القومية خارج مؤسسات الدولة، عبر الأسرة والذاكرة الشعبية والتراث الثقافي والقومي الكُردي؛ وفي هذا السياق برزت شخصيات تاريخية لعبت دوراً محورياً في صون الهوية الكُردية وتعزيز الوعي القومي، وفي مقدمتها القائد الخالد الملا مصطفى بارزاني، الذي تحوّل إلى رمز قومي جامع للكُرد في مختلف أجزاء كُردستان.
لقد مثّل الملا مصطفى بارزاني نموذجاً استثنائياً في النضال القومي الكُردي، ولم يقتصر دوره على قيادة الحركة التحررية في جنوب كُردستان، بل امتد تأثيره إلى مجمل القضية الكُردية؛ وكان من أبرز محطات مسيرته مشاركته الفاعلة في تأسيس والدفاع عن جمهورية مهاباد عام 1946، أول تجربة دولة كُردية حديثة في القرن العشرين، حيث قاد قواتها العسكرية وساهم في حماية مؤسساتها الوليدة؛ ورغم سقوط الجمهورية بعد أقل من عام نتيجة التوازنات الدولية والإقليمية، فإنها بقيت محطة مفصلية في التاريخ الكُردي الحديث، ومصدراً لإلهام أجيال متعاقبة من الكُرد الساعين إلى الحرية والاعتراف بحقوقهم القومية.
ورغم عقود الإنكار والتهميش، سعت قطاعات واسعة من الحركة السياسية الكُردية، وخاصة ذات التوجهات الديمقراطية واليسارية، إلى بناء جسور شراكة مع محيطها العربي، عبر تبنّي خطاب يقوم على التعايش والاعتراف المتبادل وحق جميع الشعوب في تقرير مصيرها واختيار مستقبلها السياسي بحرية؛ غير أن هذه المقاربة اصطدمت، في كثير من الأحيان، بمواقف متحفظة أو رافضة داخل أوساط واسعة من النخب العربية، سواء في مؤسسات السلطة أو ضمن قوى المعارضة على حد سواء.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 واتساع هامش النقاش السياسي حول مستقبل البلاد، بدا وكأن فرصة تاريخية قد أُتيحت لإعادة تعريف مفهوم الدولة السورية على أسس ديمقراطية حديثة؛ إلا أن السنوات اللاحقة كشفت استمرار الكثير من البنى الفكرية القديمة؛ إذ لا يزال جزء مهم من النخب العربية يرفض التخلي عن الطابع القومي الأحادي للدولة، أو يتحفظ على الاعتراف الدستوري الصريح بالشعب الكُردي وحقوقه القومية والثقافية واللغوية، رغم تبنيه في الوقت نفسه خطاباً سياسياً يتحدث عن الديمقراطية والمواطنة والتعددية.
والمفارقة اللافتة أن العديد من هذه النخب تعيش أو تنشط في دول ديمقراطية «أوروپا وأمريكا» تقوم أنظمتها السياسية على حماية حقوق الأقليات القومية واللغوية والثقافية، وتوفر لها فرص التعليم بلغاتها الأم وممارسة ثقافاتها بحرية كاملة؛ ومع ذلك، فإن بعض تلك النخب لا تزال تنظر إلى المطالب الكُردية المشابهة داخل بلدانها بوصفها تهديداً للوحدة الوطنية، وهو تناقض يثير تساؤلات جدية حول مدى الإيمان الحقيقي بقيم التعددية التي يجري الترويج لها.
وفي السياق ذاته، يصعب تجاهل الصمت الذي أبدته قطاعات من النخب العربية تجاه الانتهاكات التي تعرّض لها الكُرد خلال السنوات الأخيرة، سواء في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة كعفرين وسري كانيه (المُعربة إلى رأس العين) وگري سپي (المُعربة إلى تل أبيض) أو حالات تهجير وتغيير ديموغرافي وانتهاكات موثقة لحقوق الإنسان؛ إنَّ هذا الصمت، أياً كانت دوافعه السياسية أو الأيديولوجية، أسهم في تعميق فجوة الثقة بين الكُرد ومحيطهم السياسي، وأضعف فرص بناء شراكة وطنية حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل.
إن القضية الكُردية في سوريا ليست قضية انفصال كما يحاول البعض تصويرها، وليست تهديداً لوحدة البلاد، بل هي في جوهرها قضية اعتراف وحقوق ومساواة؛ فالدولة الديمقراطية الحديثة لا تُبنى على إنكار الهويات المختلفة أو صهرها قسراً في هوية واحدة، وإنَّما على الاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة وغنى للمجتمع.
لذلك، فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع اليوم على عاتق النخب العربية التي تؤمن فعلاً بالديمقراطية والتعددية، كي تعيد النظر في الموروثات الفكرية التي حكمت مقاربتها للقضية الكُردية لعقود طويلة، وأن تتعامل معها باعتبارها قضية حقوق وعدالة وشراكة وطنية، لا باعتبارها خطراً سياسياً أو مشروعاً انفصالياً.
فمن دون هذا التحول الجذري في الوعي السياسي، سيبقى شعار (سوريا للجميع) مُجرد عبارة جميلة للاستهلاك الإعلامي، فيما تستمر سياسات الإنكار والإقصاء بصيغ وأدوات مختلفة، ويظل بناء دولة ديمقراطية حقيقية حلماً مؤجلاً لجميع السوريين، عرباً وكُرداً وسائر المكونات الأخرى.
ألمانيا: 30 أيار 2026
* صحفي وكاتب كُردي