كيف سيرسم النظام الإيراني مستقبل المنطقة بين الإرغام والإذعان؟

د. مرشد اليوسف
ليس سراً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، منذ انطلاقتها قبل أربعة عقود ، بنت منظومة أمنية وسياسية تقوم على مبدأ تصدير الثورة كركن أساسي في عقيدتها .
ولكن السؤال الذي يلوح في أفق المنطقة اليوم ليس عن ماهية هذا النظام ، بل عن تداعيات استمراره على حاله دون تغيير بعد الحرب الاخيرة بينه وبين أمريكا وإسرائيل .
في سردية تحليلية معمقة، يمكن القول إن المنطقة تقف على مفترق طرق :
إما أن تشهد تحولاً داخلياً في طهران ، أو أن تُسحب إلى دوامة إكراه وإذعان ستغير خرائط النفوذ والسيادة لعقود قادمة .
والضربات بالقوة ، لا نعني فقط الصواريخ أو الطائرات المسيّرة .
فإيران طوّرت على مدى سنوات أداة مركّبة من ثلاث طبقات:
1- ذراع الميليشيات المحلية :
من حزب الله في لبنان إلى الحشد الشعبي في العراق ، ومن الحوثيين في اليمن إلى فصائل من أفغانستان . هذه الكيانات ليست مجرد وكلاء ، بل أصبحت جزءاً من بنية القوة الإيرانية الناعمة والصّلبة. وفي غياب أي تغيير جوهري في طهران ، ستواصل هذه الميليشيات التمدد عمودياً (زيادة الترسانة) وأفقياً (فتح جبهات جديدة)، محولة كل أزمة إقليمية إلى رافعة لإيران .
2 – تمتلك إيران أكبر شبكة صواريخ باليستية ومجنحة في الشرق الأوسط . دون ضوابط داخلية تفرضها معارضة فاعلة، سترتفع سقوف التهديد .
ولم تعد الصواريخ مجرد وسيلة ردع، بل أصبحت أداة تطييع – أي جعل العيش تحت سقف الخوف أسلوب حياة للمجتمعات المجاورة.
3- الهجمات الإلكترونية على البنى التحتية النفطية في الخليج ، والتلاعب بأنظمة الملاحة البحرية ، والاغتيالات عبر الوكلاء .
هذه الوسائل تُبقي المنطقة في حالة حرب دون إعلان ، تستنزف الاقتصادات وتُضعف الحكومات تدريجياً .
والجانب الأخطر هو السقوط بالرضا .
وهو لا يعني حب الشعوب لإيران، بل استسلام النخب والسياسيين لواقع أمر واقع .
كيف سيحدث هذا؟
إيران لا تسعى لضم أراضٍ ، بل لتفكيك الهويات الجامعة . عبر دعم الميليشيات الطائفية أو العرقية ، من أجل خلق مناطق رمادية لا تخضع بالكامل لأي دولة عربية .
و مع مرور الوقت، تتعود المجتمعات على فكرة أن الولاء لطهران هو ضمان البقاء ، فتذبل فكرة السيادة الوطنية .
وعندما تدوم الأزمات لعقود (لبنان ، العراق، اليمن) يصبح الانهيار هو القاعدة .
في هذه البيئة، تبرز إيران كـضامن أمن وحيد ، رغم أنها مصدر الفوضى .
هذا الإذعان المرضي هو الانتصار النهائي للنظام الإيراني .
والسؤال الآخر هو :
ماذا لو بقي النظام في إيران بعد الحرب الأخيرة بينها وبين أمريكا وإسرائيل ؟ وماهي السيناريوهات المستقبلية ؟
لنفترض أن النظام في طهران تجاوز التحديات الداخلية (الاحتجاجات، الأزمة الاقتصادية، الصراع على الخلافة) والحرب مع أمريكا وإسرائيل،وبقي كما هو بعقيدته وهياكله .
وهنا ستبدو المنطقة كالتالي:
1. يتحول الخليج العربي الى بحيرة إيرانية ، وتتحول دول الخليج إلى دُول ناعمة تعلن الرفاهية السياسية ولكنها تدفع إتاوات أمنية واقتصادية غير معلنة لطهران .
2 – ستتحول إيران إلى دولة نووية حتى لو لم تختبر إيران قنبلة نووية علناً، فامتلاكها القدرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% سيخلق “توازن رعب إقليمي” .
ودول المنطقة لن تعارض ، بل ستعقد صفقات ضمنية:
“نحن لا نعارض برنامجك، وأنت لا تغير أنظمتنا بالقوة المباشرة”.
واخيرا يمكن القول أن النظام الإيراني الحالي يشبه محركاً يعمل بوقود الأزمات . إذا بقي دون تغيير، فلن ينهار، بل سيعيد تشكيل المنطقة بأدوات القوة والإذعان معاً .
والحل ليس في تغيير طهران من الخارج (لأن ذلك أثبت فشله)، بل في أن تدرك المنطقة أن الحياد في مواجهة هذا النظام هو شكل من أشكال الرضا. أما الدول العربية والإقليمية التي تنتظر انهياراً داخلياً لا يبدو وشيكاً، فقد تجد نفسها ذات صباح وقد أعيد رسم حدود نفوذها بالقوة .
وبقاء النظام الإيراني على حاله لا يعني جموده، بل يعني تطوراً منظماً نحو هيمنة إقليمية كاملة، لن تسقط فيه العواصم بقنابل، بل بتآكل الإرادات وشراء النخب وإرهاق الشعوب.
والسؤال الأخير هو :
هل تستطيع المنطقة بناء نموذج مقاومة جديد لا يعتمد على القوى الخارجية ولا على الاستسلام الداخلي؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…

أحمد بلال   الصراع ظاهرة إنسانية ممتدة، تتجلّى في صور متعددة: صراع بين الأنظمة، وبين الدول، وبين الأديان، بل وحتى داخل المجتمع الواحد. غير أن أكثر أشكال الصراع حضوراً وتأثيراً هو صراع الأجيال، ذلك الصراع الذي لا يقوم على العداوة بقدر ما يقوم على اختلاف المفاهيم والقيم، وعلى تسارع وتيرة التطور العلمي والصناعي، ثم الطفرة الهائلة في عالم الاتصالات…