عبدالجبار شاهين
في السنوات الاخيرة لم يعد الخطر على سوريا محصورا في الجيوش والخرائط والبيانات الرسمية بل صار يتسلل بهدوء عبر اللغة والدين والذاكرة الجماعية حيث تستخدم تركيا ما يسمى بالقوة الناعمة لتثبيت نفوذ طويل الامد مستندة الى خطاب مدروس حول الوقف العثماني يتم تقديمه في الاعلام التركي على انه شأن تراثي بريء بينما هو في حقيقته اداة سياسية شديدة المكر تهدف الى اعادة ربط الارض السورية بتاريخ امبراطوري منقضٍ وكأن الدولة السورية الحديثة طارئة او مؤقتة وكأن السيادة يمكن تمييعها عبر الحنين والرموز لا عبر القانون والحدود.
هذا الخطاب لا يطالب صراحة بالارض ولا يرفع علما ولا يعلن ضما لكنه يعمل بصبر ودهاء على زرع فكرة اخطر بكثير وهي ان لتركيا حقا معنويا دائما في الجغرافيا السورية بحكم الوقف والتاريخ والرعاية الدينية وهي فكرة اذا ترسخت في الوعي العام تصبح اخطر من اي وجود عسكري لانها تحول النفوذ الى امر طبيعي ومقبول بل ومطلوب لدى بعض الفئات وتفرغ مفهوم السيادة من مضمونه الحقيقي.
الخبث التركي لا يكمن في الفعل المباشر بل في الطريقة التي يقدم بها هذا الفعل حيث يتم تسويق ترميم مسجد او دعم امام او احياء مبنى عثماني على انه خدمة للدين وللمسلمين بينما يتم تجاهل السؤال الجوهري من يقرر ومن يدير ومن يرسم الخطاب ومن يعيد تشكيل هوية المكان والناس على المدى البعيد فالمسجد ليس حجرا فقط والوقف ليس عقدا قديما بل هو منصة تأثير ومنبر وذاكرة جماعية ومن يسيطر عليها يملك القدرة على توجيه المجتمع دون ان يطلق رصاصة واحدة.
الاعلام التركي يلعب دورا محوريا في هذا المسار عبر اثارة ملف الوقف العثماني كلما دعت الحاجة السياسية لذلك فيضخم القصص ويعيد نبش الوثائق ويستدعي لغة المظلومية التاريخية والحماية الاخلاقية ليخلق انطباعا بان تركيا لا تتدخل بل تعود الى ما لها وكأن سوريا فراغ تاريخي يحتاج وصيا يعيد له توازنه وهي رواية خطيرة لانها تحول العلاقة من علاقة دول الى علاقة راعٍ وموروث وتضع السوريين في موقع من لا يملك تاريخه ولا قراره.
على السوريين ان يدركوا ان الخطر الحقيقي لا يكمن في اشاعة عن اخلاء تكية او استعادة خان بل في التطبيع البطيء مع فكرة ان ادارة الدين والوقف يمكن ان تكون خارج الارادة الوطنية وان الهوية الدينية يمكن استيرادها جاهزة من نموذج اخر بحجة القرب الثقافي او التاريخ المشترك لان ما يؤخذ باسم الوقف اليوم قد يتحول غدا الى نفوذ سياسي دائم يصعب اقتلاعه حتى لو تغيرت موازين القوى.
الحذر هنا لا يعني العداء للشعب التركي ولا رفض التاريخ المشترك بل يعني الوعي بان الدول لا تتحرك بالعاطفة وان استدعاء العثمانية في هذا التوقيت ليس صدفة بل اختيار محسوب هدفه تثبيت وجود طويل الامد بلا كلفة سياسية وبلا مواجهة قانونية وبلا ضجيج عسكري ولذلك فان الدفاع الحقيقي عن سوريا لا يكون فقط بالسلاح بل بحماية الوعي وبالتمسك بسيادة القانون وبفصل الدين عن مشاريع النفوذ وبالانتباه لكل خطاب يبدو ناعما لكنه يحمل في داخله بذور الهيمنة لان اخطر الاطماع هي تلك التي تدخل مبتسمة وتطلب فقط ان نتذكر.