حين نُضعف قضيتنا بأيدينا

خالد حسو

 

إنّ الجراح التي أصابت الكورد عبر تاريخهم، وأدمت قلوبهم وشتّتت شملهم، لم تكن كلها من صنع أعداءٍ خارجيين فقط، رغم قسوة ما واجهوه من ظلمٍ وضغوطٍ تاريخية.

فبعض تلك الجراح لم يأتِ من بعيد، بل تسلّل من الداخل، حين غلبت الخلافات على الوحدة، وتقدّمت المصالح الضيّقة على الهدف المشترك، وتفرّقت الصفوف في لحظات كانت تحتاج إلى أقصى درجات التماسك.

لقد كان للانقسام، ولتغليب الحسابات الحزبية والشخصية، دورٌ في تعميق الألم، تمامًا كما كان للظروف القاسية المحيطة أثرها الكبير.

وحين يضعف صوت الجماعة أمام تعدد الولاءات الصغيرة، لا تتسع الفجوات فحسب، بل يتآكل المعنى نفسه، ويصبح الطريق نحو الهدف أكثر وعورةً وأشدّ كلفة.
وفي هذا السياق، يتبيّن أن القضية الواحدة لا تحملها رؤوسٌ متفرقة،
وأن الحلم الكبير لا يصمد أمام تعدد الخطابات وتضارب القرارات.

لقد تعبنا من صوتٍ يتشظى إلى أصوات،
ومن قرارٍ يضيع بين قرارات،
ومن برامج متفرقة تُضعف بدل أن تبني،
في وقتٍ نحتاج فيه إلى خطابٍ واحد،
وقرارٍ واحد،
وبرنامجٍ مصيريٍّ جامع،
ومرجعيةٍ واضحة تكون بوصلةً لا ساحة صراع.
لكنّ هذا الإدراك لا يُقال للتقليل، بل للفهم.

فالشعوب لا تُهزم فقط بما يُفرض عليها من الخارج، بل بما يعتريها من الداخل أيضًا، حين يغيب التفاهم، وتضعف الرؤية الجامعة، وتتقدّم الحسابات الضيّقة على المصير المشترك.
ومع ذلك، فإن في الوعي بداية الإصلاح، وفي الاعتراف بالخلل شجاعة لا ضعف.

فما فرّقته السنوات يمكن أن يجمعه الوعي، وما أثقلته الأخطاء يمكن أن يخففه التفاهم، وما أضعفته الانقسامات يمكن أن يقوّيه الإيمان بوحدة المصير.

إنها ليست دعوة للوم، بل دعوة لإعادة البناء …
ولأن الكورد شعبٌ حمل الكثير من الألم، فهو أيضًا قادرٌ على أن يحمل الكثير من الأمل، إذا قرر أن يجعل من وحدته قوة، لا شعارًا.
فإما أن نكون معًا …
أو نُستنزف فرادى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…