إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة الأولى

د. محمود عباس

 

لماذا يحتاج النضال الكوردي إلى إعادة تعريف؟

على امتداد أكثر من قرن من الزمن، خاض الشعب الكوردي واحدة من أطول حركات النضال السياسي في الشرق الأوسط. فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتوزع كوردستان بين أربع دول إقليمية، دخلت الحركة الكوردية مسارًا طويلًا من المقاومة السياسية والعسكرية، اتخذ أشكالًا متعددة، من الانتفاضات المسلحة إلى العمل الحزبي السري، ومن النشاط الثقافي إلى التحالفات الإقليمية والدولية.

لكن رغم تعدد المراحل التي مرت بها المنطقة، وتغير الأنظمة السياسية، وتبدل موازين القوى الدولية، بقيت منهجية النضال الكوردي في جوهرها تدور ضمن الإطار ذاته تقريبًا. فقد استندت أغلب الحركات الكوردية إلى النموذج الكلاسيكي للصراع القومي الذي تشكل في القرن العشرين، حيث كانت المعادلة الأساسية تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية:

الهوية القومية، والتنظيم الحزبي، والصراع السياسي أو العسكري مع السلطة المركزية.

وقد كان لهذا النموذج مبرراته التاريخية. فالعالم في تلك المرحلة كان عالم الدول القومية الصلبة، وكانت حركات التحرر الوطني تتشكل ضمن السياق نفسه الذي أنتج دولًا جديدة في آسيا وأفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية.

غير أن العالم الذي تشكلت فيه تلك المنهجية لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم.

فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، دخل النظام الدولي مرحلة تحولات عميقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث. لم تعد القوة تُقاس فقط بالجيش أو بالسيطرة على الأرض، بل أصبحت ترتبط بالاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا المتقدمة، والقدرة على الاندماج في شبكات النفوذ الدولية.

ومع الثورة الرقمية، ثم الطفرة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخوارزمية، بدأت البشرية تدخل طورًا جديدًا من التنظيم الاقتصادي والسياسي. هذه التحولات لا تؤثر فقط على شكل الاقتصاد العالمي، بل تمتد لتعيد صياغة العلاقات السياسية والدبلوماسية، بل وحتى مفهوم الدولة نفسه.

ففي عالم تتزايد فيه قوة الشركات العابرة للقارات، وتتراجع فيه الحدود الاقتصادية التقليدية، وتتشابك فيه المصالح الدولية عبر شبكات التكنولوجيا والتجارة والبيانات، لم يعد الصراع السياسي يُدار بالطريقة التي عرفها القرن العشرون.

وهنا يبرز السؤال الحاسم أمام الحركات القومية وحركات التحرر، ومنها الحركة الكوردستانية:

هل ما زالت أدوات القرن العشرين صالحة لإدارة صراعات القرن الحادي والعشرين؟

إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تفرض الاعتراف بأن كثيرًا من أدوات العمل السياسي الكوردي ما زالت أسيرة السياقات القديمة. فما زالت لغة الصراع في كثير من الأحيان تدور حول المفاهيم التقليدية ذاتها، وما زالت بنية الأحزاب السياسية تتشكل ضمن نماذج تنظيمية تعود إلى زمن الحرب الباردة، وما زالت طبيعة الخطاب السياسي الداخلي والخارجي تعتمد على الأدوات القديمة في مخاطبة العالم.

لكن العالم الذي نتعامل معه اليوم لم يعد العالم نفسه.

لقد أصبحت موازين القوى الدولية أكثر تعقيدًا، وأصبح الاقتصاد العالمي أحد أهم أدوات النفوذ السياسي، وأصبحت التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا في إعادة توزيع القوة بين الدول والشعوب.

وفي مثل هذا العالم، لا يمكن لأي حركة سياسية أن تستمر بالاعتماد على المنهجية ذاتها التي تشكلت قبل قرن كامل.

وهذا لا يعني أن النضال الكوردي كان خطأ، أو أن تضحياته لم تكن ضرورية، بل يعني أن المرحلة التاريخية الجديدة تفرض إعادة قراءة الواقع بعيون مختلفة.

فحركات التحرر التي تنجح في التكيف مع التحولات الكبرى هي وحدها القادرة على الاستمرار. أما الحركات التي تبقى أسيرة الأدوات القديمة، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها خارج مسار التاريخ.

من هنا يصبح من الضروري أن تبدأ الحركة الكوردستانية، بكل تياراتها السياسية والفكرية، عملية مراجعة عميقة لمنهجيتها. وهذه المراجعة لا تعني التخلي عن الأهداف القومية، بل تعني إعادة التفكير في الأدوات التي يمكن أن تقود إلى تحقيق تلك الأهداف في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي نشأت فيه الحركات القومية التقليدية.

وقد يكون أحد أهم الخطوات في هذا الاتجاه هو خلق فضاء فكري جديد داخل المجتمع الكوردي يسمح بتبادل الأفكار والنقاشات الحرة حول مستقبل الحركة الكوردستانية. فالمؤتمرات التي تحتاجها الحركة الكوردية اليوم ليست بالضرورة مؤتمرات لتوحيد الأحزاب أو إعادة توزيع المواقع السياسية، بل مؤتمرات فكرية حقيقية تسمح بتبادل الرؤى، حتى وإن كانت متعارضة.

فالحركات الحية لا تخشى الاختلاف، بل تخشى الجمود.

وفي لحظة تاريخية يدخل فيها الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة، وتتحول فيها موازين القوة العالمية بسرعة غير مسبوقة، يصبح السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه الكورد على أنفسهم ليس فقط:

كيف نستمر في النضال؟

بل سؤال أكثر عمقًا:

كيف نعيد تعريف النضال نفسه؟

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…

أحمد بلال   الصراع ظاهرة إنسانية ممتدة، تتجلّى في صور متعددة: صراع بين الأنظمة، وبين الدول، وبين الأديان، بل وحتى داخل المجتمع الواحد. غير أن أكثر أشكال الصراع حضوراً وتأثيراً هو صراع الأجيال، ذلك الصراع الذي لا يقوم على العداوة بقدر ما يقوم على اختلاف المفاهيم والقيم، وعلى تسارع وتيرة التطور العلمي والصناعي، ثم الطفرة الهائلة في عالم الاتصالات…