بين خطابين: هل دخل حزب الاتحاد الديمقراطي مرحلة المراجعة أم إعادة التموضع؟

صلاح عمر

 

في بلاغٍ صادر عن اجتماع المجلس العام لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD بتاريخ 13 نيسان 2026، تتكشّف ملامح مرحلة سياسية جديدة، لا من خلال ما قيل فقط، بل من خلال ما غاب أيضًا. فالبيان، الذي جاء في سياق تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، حاول أن يقدّم قراءة شاملة لما جرى، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام تساؤلاتٍ عميقة تتجاوز حدود التوصيف إلى جوهر المشروع السياسي نفسه.

منذ السطور الأولى، يضع البيان ما جرى في إطار “مؤامرة” دولية وإقليمية تستهدف الوجود الكردي والمشروع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا. وهو خطاب مألوف في أدبيات الحزب، يُحمّل الخارج مسؤولية التحولات، مع إقرارٍ جزئي بـ”الأخطاء الذاتية” دون تفصيلٍ حقيقي لها. لكن اللافت ليس هذا التوصيف بحد ذاته، بل التحوّل التدريجي في اللغة السياسية التي يتبناها البيان.

ففي مقابل التمسك بمفردات مثل “أخوة الشعوب” و”المشروع الديمقراطي”، يبرز حضور مكثّف لمفاهيم جديدة أو معاد تفعيلها، مثل “المواطنة المتساوية”، و”الهوية الوطنية السورية”، و”الانتماء لسوريا”، و”الدستور الديمقراطي السوري”. هذه المفردات ليست عابرة، بل تعكس تحوّلًا في زاوية النظر إلى العلاقة مع الدولة السورية، وربما إعادة تعريف لموقع المشروع السياسي نفسه ضمنها.

هنا، تبرز المفارقة الأساسية:

كيف يمكن الجمع بين مشروعٍ قُدِّم لسنوات على أنه بديلٌ عن الدولة المركزية، أو على الأقل خارج إطارها التقليدي، وبين خطابٍ يدعو اليوم إلى الاندماج في “العمق الوطني السوري” والمساهمة في بناء “دولة مواطنة”؟

إن هذا التداخل بين خطابين—أحدهما أيديولوجي عابر للحدود، والآخر وطني تقليدي—يطرح إشكالية حقيقية في وضوح الرؤية. فإما أن يكون ما نشهده هو مراجعة فكرية وسياسية جدية، تستدعي إعلانًا صريحًا وشجاعًا، أو أنه مجرد إعادة تموضع تفرضها موازين القوى، دون تغيير جوهري في القناعات.

وإذا كان البيان قد أشار إلى اتفاق 29 كانون الثاني/يناير، وما تبعه من ترتيبات تتعلق بعملية “الدمج”، فإنه لم يقدّم تصورًا واضحًا لمآلات هذا المسار. هل نحن أمام اندماج فعلي في بنية الدولة السورية؟ أم أمام شراكة مشروطة؟ أم مجرد تكتيك مرحلي؟

الأكثر إثارة للتساؤل، هو ما غاب عن البيان بقدر ما حضر فيه.

فأين موقع الفيدرالية من هذا الخطاب الجديد؟

وأين الحديث عن اللامركزية السياسية كحل للقضية الكردية؟

وماذا عن مخرجات كونفرانس 26 نيسان، الذي طُرح كإطار لتوحيد الصف الكردي؟

إن تغييب هذه العناوين، أو تراجعها في سلم الأولويات، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجارية. فالمشاريع السياسية لا تُقاس فقط بما تعلنه، بل أيضًا بما تتخلى عنه، صراحةً أو ضمنًا.

في المقابل، يواصل البيان التأكيد على ضرورة “تأسيس مرجعية كردية” و”عقد مؤتمر وطني كردي”، وهي مطالب لطالما رُفعت، لكنها بقيت رهينة التجاذبات الداخلية. وهنا يبرز تناقض آخر: كيف يمكن الدعوة إلى وحدة كردية في الوقت الذي يتم فيه اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى دون شراكة فعلية مع باقي الأطراف الكردية؟

أما على المستوى الوطني السوري، فإن الحديث عن “فرصة نحو العمق الوطني” يعكس إدراكًا متأخرًا لأهمية الانخراط في الفضاء السياسي السوري الأوسع. لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذا الانخراط قائم على رؤية واضحة للحقوق القومية الكردية، أم أنه يتم تحت ضغط الواقع، وبشروط قد لا تكون متوازنة؟

لا شك أن المرحلة التي تمر بها المنطقة تفرض على جميع الفاعلين مراجعة حساباتهم. لكن المراجعة الحقيقية لا تكون بتغيير المصطلحات، بل بإعادة بناء الثقة مع الجمهور، من خلال الوضوح والشفافية.

فالجمهور الكردي، الذي طُلب منه لسنوات أن يؤمن بمشروعٍ معين، من حقه اليوم أن يفهم طبيعة التحول الجاري:

هل نحن أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى؟

أم أمام محاولة للتوفيق بين ما لا يمكن التوفيق بينه؟

إن أخطر ما قد تواجهه أي حركة سياسية، ليس التغيير… بل الغموض في تفسيره.

فالتاريخ لا يحاسب فقط على القرارات، بل على القدرة في شرحها والدفاع عنها.

وبين خطابٍ يتآكل، وآخر لم يكتمل بعد،

تبقى الحقيقة معلّقة بين ما يُقال… وما يُراد قوله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…