كوباني بين الحقيقة التاريخية ومحاولات الطمس

مسلم شيخ حسن – كوباني 

لكل ظاهرة سياقها التاريخي الذي يفسر أصلها ويمنحها معناها. فالتاريخ ليس سلسلة من المصادفات بل هو نظام مترابط تبنى فيه الأحداث على أسباب وحقائق موثقة. من هذا المنطلق لا يمكن فهم أصل المدن وأسمائها بالاعتماد فقط على الظروف التاريخية المحيطة بها كما تؤكد ذلك مناهج البحث في مجالي التاريخ والجغرافيا السياسية.

ترتبط مدينة كوباني التي تأسست عام ١٩١٢ على الحدود السورية التركية بمشروع سكة حديد برلين-بغداد، أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في أواخر العهد العثماني والذي نفذ بدعم وإشراف ألمانيين. وقد تولت شركات ألمانية من بينها شركات تابعة لدويتشه بنك، تنفيذ أجزاء كبيرة من هذا المشروع الذي كان عاملاً حاسماً في ظهور العديد من التجمعات السكانية على طول خط السكة الحديدية.

في هذا السياق، برزت منطقة كوباني كمحطة أو نقطة عمرانية مرتبطة بأعمال السكك الحديدية حيث استقر فيها عمال وفنيون إلى جانب سكان محليين. وتشير العديد من الروايات التاريخية الشفوية والمكتوبة إلى أن اسم “كوباني” مشتق من كلمة أجنبية مرتبطة بكلمة “Company” (شركة)، في إشارة إلى الشركة الألمانية التي أدارت المشروع. وقد تبنى السكان المحليون هذا الاسم ليصبح فيما بعد الاسم الشائع للمنطقة.

تتفق هذه الظاهرة مع ما هو معروف في الدراسات التاريخية حول نشأة المدن. وتؤكد المصادر الجغرافية أن العديد من مدن الشرق الأوسط نشأت حول مشاريع بنية تحتية ضخمة كالسكك الحديدية والموانئ وكثيراً ما ارتبطت أسماؤها بهذه المشاريع أو بالمؤسسات التي أشرفت عليها. وفي هذا السياق، يمكن الرجوع إلى دراسات سكة حديد بغداد، مثل كتابات باحثي التاريخ العثماني الحديث والتقارير الأرشيفية الألمانية والعثمانية التي توثق مراحل بناء الخط وتأثيره على التطور العمراني.

من هذا الأساس التاريخي الواضح يرفض بعض المتعصبين القوميين العرب اسم “كوباني”، زاعمين أنه لا ينتمي إلى أصل عرقي محدد. ويتجاهلون الحقيقة العلمية القائلة بأن أسماء المدن لا تدل بالضرورة على هوية عرقية بحتة بل هي نتاج علاقات تاريخية واقتصادية وثقافية معقدة. تظهر دراسة بسيطة لأسماء العديد من المدن السورية أن لها جذوراً آرامية أو سريانية أو يونانية أو عثمانية، تشكل جزءًا من التراث الثقافي الغني للمنطقة.

لا يحمل استخدام سكان المنطقة لاسم “كوباني” أي دلالات عنصرية أو إقصائية بل يعكس تمسكهم بهذا الاسم الذي ترسخ على مدى قرن من الزمان وأصبح جزءًا من ذاكرتهم الجماعية. ووفقاً لمبادئ القانون الدولي للحقوق الثقافية يعد احترام الأسماء التاريخية والمحلية جزءًا من حماية الهوية الثقافية للشعوب والمجتمعات.

في المقابل، فإن محاولات طمس اسم “كوباني” أو استبداله تتعارض مع أبسط قواعد الموضوعية التاريخية إذ تسعى إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية وفقاً لاعتبارات سياسية آنية بدلاً من احترام الحقائق الموثقة. ولا تسهم هذه الإجراءات في تعزيز الوحدة الوطنية بل على العكس، تعمق الانقسامات وتضعف الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.

قامت الجهات الشوفينية ونظام البعث في عهد آل الأسد بتغيير اسم كوباني إلى عين العرب، على الرغم من أن سكان كوباني من المكون الكردي. كانت هذه السياسة جزءًا من محاولة لطمس الهوية الكردية في المنطقة.

لذا، ينبغي على الحكومة المؤقتة في دمشق الاعتراف رسمياً باسم كوباني في الوثائق الرسمية وتصحيح الظلم التاريخي الذي ارتكبته هذه السياسات بحق أهالي كوباني الذين قدموا تضحيات جسيمة في مكافحة الإرهاب وفي سياق النضال من أجل بناء سوريا ديمقراطية آمنة لجميع مكوناتها العربية والكردية والكلدانية وسائر الأقليات.

وختاماً ، تعد كوباني نموذجاً واضحاً على كيفية بناء المدن في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في مطلع القرن العشرين. كما تبرز أهمية التعامل مع التاريخ كمرجع موضوعي، لا كأداة للتأويل أو الإقصاء. إن الحفاظ على الأسماء التاريخية هو في جوهره الحفاظ على الذاكرة، ومن حق المجتمعات أن تروي تاريخها كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.

14 / 4 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، لم تتشكل الدولة الإيرانية وفق النموذج التقليدي للدول الحديثة التي تفصل بين العقيدة والسياسة وتوازن بين المصالح والحدود، بل تأسست وفق تصور يرى في الدولة أداة لمشروع ثوري ممتد يتجاوز الجغرافيا، ويعتبر أن الاستقرار ليس غاية نهائية بل محطة مؤقتة في مسار صراع أطول، وهو ما جعل سلوك إيران الإقليمي…

يصادف اليوم، السادس عشر من نيسان، ذكرى أليمة تمرُّ على شعبنا الكوردي، وهي الذكرى السنوية الثالثة عشرة لاختطاف وتغييب كوكبة من الضباط الكورد المنشقين الذين انحازوا لصفوف الثورة السورية ورفضوا أن يكونوا أداة للقمع، فطالتهم يد الإخفاء القسري عام 2013، وهم: (العميد محمد خليل علي، العقيد محمد هيثم، العقيد حسن أوسو، العقيد محمد كله خيري، المقدم شوقي عثمان، الرائد بهزاد…

خوشناف سليمان ما جرى في بغداد هو انكشاف جديد و ربما الأكثر فجاجة لحقيقة يعرفها الجميع ويتجنبون قولها.. الكرد لم يعودوا يتحدثون بصوت واحد. ولذلك لم يعد أحد مضطرًا للإصغاء إليهم كقوة واحدة. المسألة لم تعد تتعلق بمن يشغل منصبًا سياديًا. ولا بمن ربح جولة تكتيكية داخل قاعة البرلمان. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بكيفية تحول القضية الكردية…

فيصل اسماعيل لا يمكن فهم سلوك الاتحاد الوطني الكوردستاني بمعزل عن مواقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فالمشهد الكوردي تحكمه معادلة توازن دقيقة بين الحزبين. وهنا يبرز سؤال مهم: هل كانت مرونة “البارتي” عامل استقرار، أم أنها منحت خصمه مساحة أوسع للمناورة؟ من جهة، يُنظر إلى مرونة الحزب الديمقراطي في التعامل مع بغداد والقوى الإقليمية كسياسة تهدف إلى حماية الإقليم من الصدام…