بين إعادة رسم الخرائط والاندماج القسري… أيُّ طريق لمستقبل المنطقة؟

حسن قاسم
ما يُطرح اليوم تحت عنوان “الاندماج” يبدو، في كثير من الحالات، أقرب إلى إعادة إنتاج الدولة المركزية الصلبة منه إلى بناء دولة مواطنة تعددية. وهنا تكمن المفارقة: فبينما يُروَّج نظرياً لمشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر التفكيك وإعادة التركيب، يجري عملياً فرض نماذج توحيد قسري تتجاهل التعدد القومي والديني.
نجاح أي مشروع للاندماج يرتبط بشرط أساسي: القبول الطوعي والشعور بالمساواة. في ظل بيئة مشحونة بالكراهية وعدم الثقة بين المكونات، تصبح محاولات الدمج القسري عاملاً إضافياً لتفجير الصراعات، لا حلّها. فالتاريخ القريب في المنطقة يثبت أن تجاهل الهويات الفرعية، سواء القومية أو الدينية، لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى انفجارات متكررة.
إذا كان المقصود بالاندماج هو “الصهر” وإلغاء الخصوصيات، فإن نسبة نجاحه تكاد تكون معدومة على المدى البعيد. لأن الهوية ليست مجرد خيار سياسي يمكن التنازل عنه، بل هي شعور جمعي متجذر في اللغة والثقافة والتاريخ. وعندما تُفرض هوية واحدة بالقوة، فإنها تولّد مقاومة مضادة، قد تتخذ أشكالاً سياسية أو حتى صراعية.
أما إذا أُعيد تعريف الاندماج بوصفه “شراكة متكافئة” ضمن نظام لا مركزي أو ديمقراطي تعددي، فإن فرص النجاح ترتفع بشكل ملحوظ. هنا لا يُطلب من المكونات أن تتخلى عن ذاتها، بل أن تتعايش ضمن إطار دولة تعترف بالجميع وتضمن حقوقهم دستورياً.
المشكلة في الطروحات الحالية أنها تقفز فوق هذا الفارق الجوهري: بين الاندماج بوصفه اعترافاً متبادلاً، والاندماج بوصفه إلغاءً للآخر. في الحالة الأولى، يكون الاندماج مدخلاً للاستقرار؛ وفي الثانية، يتحول إلى وصفة مؤجلة للانفجار.
لذلك، يمكن القول إن مشروع “الدمج” بصيغته الحالية، إذا استمر كأداة لفرض هوية مركزية واحدة، لن ينجح في بيئة منقسمة ومليئة بالذاكرة الجريحة. بل على العكس، سيعمّق الانقسامات ويؤجل الصراع إلى مراحل أكثر خطورة. الحل لا يكمن في صهر المكونات، بل في إدارة التنوع والاعتراف به كحقيقة دائمة، لا كمرحلة عابرة يجب تجاوزها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…