الدولة الدينية: طريقٌ إلى الاستبداد… والدولة المدنية بوابةُ الخلاص

حسن قاسم
تُظهر التجارب السياسية أن الدولة الدينية لا تقف عند حدود تنظيم العلاقة بين الدين والمجتمع، بل تتحول غالباً إلى نظام مغلق يحتكر الحقيقة ويُقصي الآخر. فحين تُمنح السلطة طابعاً مقدساً، تصبح معارضتها نوعاً من التمرّد العقائدي، لا مجرد خلاف سياسي، ما يفتح الباب عملياً أمام نشوء نظام دكتاتوري مهما كانت نواياه المعلنة.
نماذج معاصرة تؤكد هذه الحقيقة؛ فالنظام في إيران يقوم على مبدأ “ولاية الفقيه”، حيث تتركز السلطة النهائية بيد مرجعية دينية غير منتخبة بالكامل، ما يحدّ من دور المؤسسات الديمقراطية. وكذلك تجربة أفغانستان، حيث أُقصيت التعددية السياسية والاجتماعية تحت مبررات دينية، مما أدى إلى تقييد واسع للحريات العامة وحقوق الإنسان.
في المقابل، تقوم الدولة المدنية الديمقراطية على مبدأ بسيط لكنه جوهري: لا قداسة في السياسة. الشرعية تُستمد من الشعب، والسلطة تُقيد بالدستور والقانون، ما يتيح تداولها ومحاسبتها. هذا النموذج لا يعادي الدين، بل يحميه من التوظيف السياسي، ويمنع احتكاره من قبل فئة أو سلطة.
عدد من المفكرين تناولوا هذه الإشكالية بعمق؛ فقد حذّر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد من توظيف الدين في تكريس الطغيان، مؤكداً أن الاستبداد “يتخذ الدين وسيلة لتثبيت سلطته”. كما أشار جون لوك إلى ضرورة الفصل بين السلطة الدينية والسياسية لضمان الحرية، فيما رأى مونتسكيو أن تركّز السلطات، خصوصاً حين تُغلف بالدين، يقود حتماً إلى الاستبداد.
إن الخلاصة التي تفرضها التجربة والتفكير معاً، هي أن الدولة الدينية، بحكم بنيتها، تميل إلى إنتاج نظام دكتاتوري، بينما تبقى الدولة المدنية الديمقراطية الإطار الأكثر قدرة على حماية التعددية، وصون الكرامة الإنسانية، وبناء استقرار حقيقي قائم على الإرادة الحرة للمواطنين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تقرير سياسي من تيار مستقبل كردستان سوريا ، حول الأوضاع في سوريا في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، وبعد مرور أكثر من عام وعدة أشهر على تشكيل حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يجد تيار مستقبل كردستان سوريا نفسه مضطراً لتوضيح موقفه من مجمل القضايا الوطنية في سوريا، وفي مقدمتها القضية الكردية، وكذلك تقييم أداء السلطة الحالية في دمشق….

فواز عبدي   في كل مرة يغادرنا قيادي كردي إلى مثواه الأخير، تتكرر ذات المسرحية: بعد حياة سياسية صاخبة حافلة بالانقسامات، والمناكفات، والتحزّب الضيق، وبعد أن يضع رجلاً في القبر وتبقى الأخرى معلقة في الهواء، يخرج علينا ببيان أو منشور أو وصية أخيرة، تتساءل – ببراءة الموتى – “كيف السبيل إلى اتفاق الكرد السوريين؟” يا للمفارقة! يا لسخرية القدر! Weyla…

اكرم حسين   لا يمكن قراءة تاريخ الشعب الكردي في سوريا أو فهم صيرورته السياسية عبر عدسات ضيقة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي؛ فالكُرد ليسوا طارئاً جغرافياً ولا “وافداً” على النسيج الوطني، بل هم جزء أصيل ممتد الجذور في تربة هذه الأرض منذ قرون. لقد جاء “مقص” سايكس-بيكو ليبتر أوصال المنطقة وتاريخها ، ضارباً عرض الحائط بإرادات الشعوب، ليدشن بذلك فصلاً…

د. محمود عباس   غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية… 2 اليوم لم تعد المسألة كما كانت. فغربي كوردستان لم يعد يقف أمام فرصة تمدد سياسي، بل أمام معركة الحفاظ على ما تبقى. عفرين خرجت من يد أهلها، وتحولت إلى جرح مفتوح تحت سيطرة أدوات مرتبطة بالمشروع التركي، لا تملك الحكومة السورية المؤقتة أو…